دروس تعليمية
 
الرئيسيةاعلان التسجيلدخولمركز تحميل للصور
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
التبادل الاعلاني
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية digg  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية delicious  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية reddit  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية stumbleupon  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية slashdot  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية yahoo  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية google  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية blogmarks  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية live      



قم بحفض و مشاطرة الرابط ActivInspire على موقع حفض الصفحات
خدمة راسلنى
اضغط هناااااااا
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
نبيلة محمود خليل
 
سوسو سلامونتى
 
أسامة
 
يارا
 
محمود ابراهيم
 
سلوى
 
سناء
 
فكرية
 
رادا
 
نادية محمد
 
نشرة اخبار منتدى رحماك ربى

شاطر | 
 

  الإعـجاز التاريخـي مع نبيلة ونبيل الإعـجاز التاريخـي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2
كاتب الموضوعرسالة
نبيلة محمود خليل
مديرة موقع رحماك ربى
مديرة موقع رحماك ربى
avatar

انثى عدد المساهمات : 1427
تاريخ التسجيل : 29/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: الإعـجاز التاريخـي مع نبيلة ونبيل الإعـجاز التاريخـي    الجمعة يناير 04, 2013 1:04 pm

﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِياًّ مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾‏
﴿ وَاذْكُرْ فِي
الكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِياًّ
﴾ ‏[‏مريم‏:54]


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في بدايات النصف الثاني من سورة
مريم‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها ثمان وتسعون‏(98)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا
تكريما للسيدة البتول مريم بنت عمران ـ رضي الله عنها ـ التي أوردت السورة معجزة
حملها بابنها عيسي من أم بلا أب‏,‏ ووضعها إياه وليدا يتكلم وهو في المهد‏.‏ويدور المحور الرئيس للسورة حول قضية العقيدة الإسلامية ـ شأنها في ذلك شأن كل
السور المكية ـ مركزة علي توحيد الله ـ سبحانه وتعالي ـ وتنزيهه عن الشريك‏,‏ وعن
الشبيه‏,‏ وعن المنازع‏,‏ وعن الصاحبة والولد‏,‏ وعن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف
لا يليق بجلاله‏.‏
هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة مريم وما جاء فيها من ركائز
العقيدة والإشارات العلمية‏,‏ ونركز هنا علي ومضة الإعجاز التاريخي في ذكر نبي الله
ورسوله إسماعيل ـ عليه السلام ـ الذي ـ لم يدون المؤرخون شيئا عنه‏,‏ ولم تذكر كتب
الأولين إلا النزر اليسير من سيرته‏,‏ والذي جاء مشوها ومحرفا‏.‏



من أوجه الإعجاز التاريخي والتربوي في النص القرآني الكريم:
يقول
ربنا ـ تبارك وتعالي ـ في محكم كتابه‏:‏‏
﴿ وَاذْكُرْ
فِي الكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوَعْدِ
وَكَانَ
رَسُولاً نَّبِياًّ
* وَكَانَ
يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ

وَالزَّكَاةِ
وَكَانَ عَندَ رَبِّهِ مَرْضِياًّ
[‏ مريم‏:54‏ ـ‏55].‏
والآيتان فيهما أمر من الله ـ تعالي ـ إلي خاتم
أنبيائه ورسله ـ صلي الله عليه وسلم ـ أن يذكر للناس ما أنزل عليه من القرآن الكريم
في سرد قصة رسول الله إسماعيل بن خليل الرحمن إبراهيم ـ عليهما السلام ـ الذي كان
مثالا في صدق الوعد‏,‏ وقد أثبت ذلك حين وعد أباه بالصبر علي ذبحه له وفاء بأمر
الله ـ تعالي ـ لأبيه أن يذبحه‏,‏ ووفي إسماعيل بوعده وفاء كاملا‏,‏ ففداه الله
الكريم بذبح عظيم‏,‏ وأكرمه وشرفه بالنبوة والرسالة عندما بلغ سن
النبوة‏.‏

وتذكر الآيتان الكريمتان من مناقب هذا الرسول الكريم أنه كان يأمر
أهله بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة‏,‏ حتى بلغ مقاما كريما من رضا ربه عليه‏:‏ هذا
وقد جاء ذكر عبد الله ورسوله إسماعيل بن إبراهيم ـ عليهما السلام ـ اثنتا
عشرة‏(12)‏ مرة‏.‏



ومن الدروس المستفادة من عرض القرآن الكريم لقصة نبي الله إسماعيل ما
يلي‏:‏
‏1 ‏ـ أن الإنسان إذا حرم شيئا من خير الدنيا دون تقصير من جانبه‏,‏
فعليه بالدعاء الصادق إلي الله ـ تعالي ـ فقد قارب نبي الله إبراهيم سن التسعين دون
أن يرزق الولد‏,‏ فألح علي الله بالدعاء أن يهبه الذرية الصالحة‏,‏ فاستجاب الله
الخالق الباريء المصور دعاء عبده ونبيه إبراهيم ورزقه ابنه إسماعيل علي الكبر من
زوجته الثانية السيدة هاجر عليها رضوان الله‏,‏ وفي ذلك يقول القرآن الكريم‏:‏
﴿ وَقَالَ
إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ
* رَبِّ هَبْ
لِي مِنَ الصَّالِحِينَ
*
فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ
[‏ الصافات‏:99‏ ـ‏101].‏

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://activinspire.ahlamontada.net
نبيلة محمود خليل
مديرة موقع رحماك ربى
مديرة موقع رحماك ربى
avatar

انثى عدد المساهمات : 1427
تاريخ التسجيل : 29/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: الإعـجاز التاريخـي مع نبيلة ونبيل الإعـجاز التاريخـي    الجمعة يناير 04, 2013 1:04 pm

‏2‏ـ أن الثقة في الله ـ تعالي ـ هي مصدر
كل خير‏,‏ فقد ابتلي نبي الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ بالأمر الإلهي أن يضع زوجه
السيدة هاجر ورضيعها إسماعيل في بقعة محددة من وادي مكة عند قواعد البيت الحرام‏,‏
وهي يومئذ أرض قفر لا ماء فيها ولا بشر‏,‏ وترك عندهما جرابا فيه شيء من التمر‏,‏
وسقاء فيه قليل من الماء‏,‏ ثم قفل راجعا في طريقة الي فلسطين‏,‏ فتبعته أم إسماعيل
قائلة‏:‏ يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا نبت ولا
ماء؟ ورددت أم إسماعيل خطابها هذا لزوجها الراحل عنها مرارا‏,‏ وهو لا يلتفت إليها
فأدركت بفطرتها حتمية أن يكون ذلك الأمر من الله ـ تعالي ـ لعلمها بأن زوجها من
أولي العزم
من الرسل فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ فأدار وجهه إليها قائلا:"نعم" فردت
على


الفور بيقين الواثق بالله‏,‏ المؤمن به‏,‏ والمتوكل عليه قائلة إذا لا
يضيعنا ثم رجعت إلي حيث تركت رضيعها‏,‏ وانطلق إبراهيم ـ عليه السلام ـ في طريقه
حتى إذا كان عند الثنية استقبل بوجهه موضع قواعد البيت ورفع يديه داعيا الله ـ
تعالي ـ أن يخلفه في زوجه ووحيدة‏,‏ وفي ذلك يقول القرآن الكريم علي لسان نبي الله
إبراهيم ما نصه‏:
﴿
رَبَّنَا
إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ
المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ
تَهْوِي إِلَيْهِمْ

وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
‏[‏ إبراهيم‏:37].‏
فاستجاب الله ـ سبحانه وتعالي ـ لدعوة عبده ونبيه
إبراهيم ـ عليه السلام ـ وأكرم زوجه السيدة هاجر ـ عليها رضوان الله ـ جزاء ثقتها
المطلقة في رحمة الله‏,‏ فأرسل عبده جبريل ـ عليه السلام ـ وقد نفد الماء من
السقاء‏,‏ وبدأ الرضيع في البكاء وأخذت أمه تهرول بين الصفا والمروة‏,‏ وتعلو كل
واحدة منهما عساها أن تري طيرا يحط فوق شيء من الماء‏,‏ أو قادما يحمل معه سقاء‏,‏
وفعلت ذلك سبع مرات دون جدوى‏,‏ فجاءها جبريل ـ عليه السلام ـ قائلا‏:‏ لا تخافي
الضيعة فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه‏,‏ وإن الله لا يضيع أهله‏,‏ ثم
قام بضرب الأرض بجناحه أو بعقبه فانفجرت بئر زمزم‏,‏ وفرحت بها أم إسماعيل فرحا
شديدا وخشيت أن يفيض الماء في الوادي فأخذت تحوط البئر بالرمال والحصى والأحجار
وتقول لها زمي زمي ولذلك عرفت البئر باسم زمزم‏,‏ وفي ذلك يقول المصطفي ـ صلي الله
عليه وسلم‏:‏ رحم الله أم إسماعيل لو تركتها كانت عينا معينا‏.(‏ مسند
أحمد‏).‏
وبقيت بئر زمزم تفيض بخير ماء علي وجه الأرض‏(‏ كما وصفه رسول الله ـ
صلي الله عليه وسلم‏)‏ وظلت تفيض لقرابة أربعة آلاف سنة من صخور نارية ومتحولة
عديمة المسامية لتبقي آية شاهدة علي كرامة المكان‏,‏ وكرامة لنبي الله إسماعيل
ولأمه ـ عليهما السلام ـ ثم شاء الله ـ تعالي ـ أن يمر بوادي مكة نفر من قبيلة جرهم
عائدين بتجارتهم من بلاد الشام إلي أرض اليمن فتعجبوا من وجود الماء في عين زمزم‏,‏
فاستأذنوا من أم إسماعيل أن يجاوروها وابنها إسماعيل فأذنت لهم‏,‏ وتحققت دعوة نبي
الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ التي يسجلها القرآن الكريم علي لسانه
بقوله‏:‏‏:
﴿
...
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ
وَارْزُقْهُم
مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
[‏ إبراهيم‏37]‏.
‏3 ‏ ـ أن الدنيا هي دار ابتلاء وامتحان
واختبار‏,‏ وأن النجاح في الابتلاءات الدنيوية هو الطريق إلي جنة الخلد بإذن
الله‏,‏ وعلي ذلك فإن الإنسان إذا تعرض لشيء من الابتلاء فرضي بقضاء الله وقدره‏,‏
وصبر عليه‏,‏ فإما أن يرفع الله ـ تعالي ـ عنه البلاء أو يبين له خير هذا القضاء أو
القدر‏.‏
ويتضح ذلك جليا في موقف كل من نبي الله إبراهيم وولده إسماعيل من أمر
الله ـ تعالي ـ له أن يضع رضيعه الذي منحه علي الكبر مع أمه في واد غير ذي زرع علي
بعد آلاف الكيلومترات من مسكنه‏.‏ ويرضي كل منهم بقضاء الله وقدره‏,‏ وبعد أن شب
الرضيع وبدأ يتحمل مسئوليات أمه يأمره الله أن يذبح وحيده الذي رزقه في شيخوخته‏,‏
بعد أن شب وحيده وأصبح قادرا علي السعي معه في تحقيق مطالب العيش ومستلزمات
الحياة‏,‏ وهو ابتلاء لا يقوي عليه أشد الناس إيمانا بالله ـ سبحانه وتعالي ـ ونجح
كلاهما في هذا الابتلاء نجاحا استحق جزاء الله وثناءه علي كل منهما‏,‏ وجعل من هذا
الموقف النبيل سنة النحر في عيد الأضحى‏,‏ إحياء لذكري هذا الحادث العظيم الذي يبقي
رمزا لحقيقة الإيمان بالله‏,‏ والتسليم الراضي لقضائه‏,‏ وفي ذلك يقول القرآن
الكريم‏:‏
﴿
فَلَمَّا
بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي
أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ
سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ
* فَلَمَّا
أَسْلَمَا
وَتَلَّهُ
لِلْجَبِينِ
*
وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ
* قَدْ
صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ
* إِنَّ هَذَا
لَهُوَ البَلاءُ المُبِينُ
*
وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
*
وَتَرَكْنَا
عَلَيْهِ فِي
الآخِرِينَ
* سَلامٌ
عَلَى إِبْرَاهِيمَ
* كَذَلِكَ
نَجْزِي المُحْسِنِينَ
[‏ الصافات‏102‏ ـ‏110].‏
‏4‏ ـ أن الدعاء هو مخ العبادة‏,‏ وإذا
صدر من القلب بإخلاص وتجرد لله ـ تعالي ـ استحق الإجابة‏,‏ وإن عز الإنسان في
الدنيا ونجاته في الآخرة قائمان علي درجة إيمانه بالله ـ تعالي ـ وإسلامه الوجه
له‏,‏ وعلي الخضوع بالطاعة لجلاله‏,‏ والاستعداد لسرعة التوبة إليه‏,‏ والثقة
الكاملة بطلاقة القدرة الإلهية‏,‏ واليقين الجازم بأنه لا سلطان في هذا الوجود لغير
الله‏,‏ وقد اتضحت كل هذه القيم الإيمانية بجلاء في استعراض القرآن الكريم لسيرة كل
من نبي الله إبراهيم وولده الصالح إسماعيل ـ عليهما من الله السلام ـ ولذلك شرفهما
الله ـ سبحانه وتعالي ـ بتكليفهما برفع القواعد من البيت العتيق‏,‏ بعد أن كان قد
تهدم ومحيت آثاره إلا القواعد‏,‏ وهو عمل تقف دون تحقيقه جهود آلاف الرجال‏,‏
وأكرمهما الله ـ تعالي ـ باستجابة دعائهما بتحقيق البركة في ذريتهما وببعثة الرسول
الخاتم من تلك الذرية المباركة‏,‏ وفي ذلك يقول القرآن الكريم‏:‏
﴿
وَإِذْ
يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ
وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ
العَلِيمُ
*
رَبَّنَا
وَاجْعَلْنَا
مُسْلِمَيْنِ لَكَ
وَمِن
ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ

وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا
وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
*
رَبَّنَا
وَابْعَثْ
فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ
وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ
وَالْحِكْمَةَ
وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ
[‏ البقرة‏127‏ ـ‏129].‏
وهذا موقف من مواقف العبودية الحقة يرجو
فيه نبيان من أنبياء الله أن يثبتهما الله ـ جلت قدرته ـ علي الإسلام الخالص وأن
يثبت ذريتهما عليه‏,‏ ويطلبان من الله ـ تعالي ـ الهداية وقبول التوبة‏,‏ لأنهما
يعلمان تمام العلم بأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف
يشاء‏.‏
‏5‏ ـ أن الله ـ تعالي ـ يصطفي من عباده الصالحين من يبلغ هدايته إلي
الناس‏,‏ وفي ذلك يقول القرآن الكريم‏:‏
﴿
اللَّهُ
يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً

وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
[‏ الحج‏75].‏
ولهذا الاصطفاء الإلهي ضوابطه‏:‏ من سلامة الجسد‏,‏
ورجاحة العقل‏,‏ وطهارة القلب‏,‏ وسلامة الفطرة‏,‏ لتوافر هذه الصفات في عبد الله
إسماعيل بن إبراهيم‏,‏ فقد من الله ـ تعالي ـ عليه بالنبوة وبالرسالة‏,‏ وبعثه إلي
كل من العماليق وقبيلة جرهم‏,‏ وقبائل اليمن فنهاهم عن عبادة الأصنام والأوثان‏,‏
ودعاهم إلي عبادة الله ـ تعالي ـ وحده بغير شريك ولا شبيه ولا منازع ولا صاحبة ولا
ولد كما دعاهم إلي تنزيهه ـ تعالي ـ عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق
بجلاله‏,‏ فآمنت له طائفة منهم وكفرت غالبيتهم‏,‏ وظل يدعوهم حتى وافته منيته‏,‏
ودفن في حجر الكعبة‏.‏ حيث كانت قد سبقته إليه أمه فسمي باسم حجر إسماعيل وكان من
ذريته العرب العاربة‏.‏

ويصف القرآن الكريم النبي الصالح إسماعيل بن إبراهيم
ـ عليهما السلام ـ بقول الحق ـ تبارك وتعالي ـ مخاطبا خاتم أنبيائه ورسله ـ صلي
الله عليه وسلم ـ قائلا له‏Sad‏ واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان
رسولا نبيا‏.‏ وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا‏)[‏ مريم‏54‏
ـ‏55].‏
ولما كان كل من النبوة والرسالة قد ختم ببعثة الرسول الخاتم ـ صلي الله
عليه وسلم ـ فإن علي كل من يريد أن يحظي برضاء ربه أن يتأسي بنبيل الصفات التي وصف
بها ربنا ـ تبارك وتعالي ـ عبده ورسوله إسماعيل بن إبراهيم ـ عليما السلام ـ
ومنها‏:‏ صدق الوعد‏,‏ والاجتهاد في الدعوة إلي دين الله‏,‏ والحرص علي أمر الأهل
بأداء الصلاة وإيتاء الزكاة‏,‏ وفي ذلك يقول رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏
"رحم الله رجلا قام من الليل فصلي وأيقظ امرأته‏,‏ فإن أبت نضح في وجهها
الماء‏,‏ ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبي نضحت في وجهه
الماء"
‏(‏ سنن ابن ماجه‏).‏
هذه الدروس الخمسة المستقاة من استعراض القرآن
الكريم لسيرة عبد الله ورسوله إسماعيل بن إبراهيم هي من جوانب الإعجاز التربوي
والتاريخي في كتاب الله‏;‏ وذلك لنبل مقاصدها التربوية‏,‏ ولعدم وجود أية إشارة لها
في كتب السابقين‏,‏ خاصة أن نبي الله إسماعيل قد عاش في الألفية الثانية قبل
الميلاد‏,‏ أي قبل تنزل القرآن الكريم بأكثر من ألفي سنة‏.‏
فالحمد لله علي نعمة
الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام ـ صلي
الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين ـ
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://activinspire.ahlamontada.net
نبيلة محمود خليل
مديرة موقع رحماك ربى
مديرة موقع رحماك ربى
avatar

انثى عدد المساهمات : 1427
تاريخ التسجيل : 29/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: الإعـجاز التاريخـي مع نبيلة ونبيل الإعـجاز التاريخـي    الجمعة يناير 04, 2013 1:05 pm

﴿ فَالْيَوْمَ
نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ
النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ﴾ ‏[‏يونس‏:92


هذا النص القرآني الكريم جاء في الربع الأخير من سورة يونس‏,‏ وهي سورة
مكية‏,‏ وآياتها تسع ومائة بعد البسملة‏,‏ وقد سميت باسم نبي الله يونس ـ عليه
السلام ـ لورود ذكر قومه في أواخر السورة التي يدور محورها الرئيسي حول عدد من
ركائز العقيدة الإسلامية‏,‏ شأنها في ذلك شأن كل السور المكية‏.‏
هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة
يونس وما جاء فيها من ركائز العقيدة الإسلامية‏,‏ والإشارات العلمية والتاريخية‏,‏
وبعض طبائع النفس الإنسانية‏,‏ ونركز هنا علي بعض جوانب الإعجاز التاريخي في ذكر
قصة نبي الله موسي وشقيقه النبي هارون ـ عليهما السلام ـ مع فرعون وقومه‏,‏ وفي
الخطاب القرآني الموجه إلي أحد فرعوني موسي كما جاء في النص الذي اخترناه عنوانا
لهذا المقال‏.‏
من أوجه الإعجاز التاريخي في النص الكريم:-
بعد تحرير مصر من الهكسوس في أوائل عهد الأسرة الثامنة عشرة‏,‏ انتهي
حكم هذه الأسرة بموت الملك حور محب‏,‏ ثم جاءت الأسرة التاسعة عشرة بدءا بالملك
رمسيس الأول‏(1308‏ ق‏.‏م‏.‏ إلي‏1306‏ ق‏.‏م‏)‏ الذي حكم لفترة قصيرة‏(‏ نحو
السنتين‏),‏ ثم خلفه ابنه سيتي الأول‏(1306‏ ق‏.‏م ـ‏1290‏ ق‏.‏م‏)‏ ثم من بعده
حفيده رمسيس الثاني ابن سيتي الأول‏,‏ والذي عرف باسم فرعون الاضطهاد وحكم مصر
لفترة طويلة تقدر بنحو‏(67)‏ سنة‏(‏ من‏1290‏ ق‏.‏م إلي‏1223‏ ق‏.‏م‏),‏ وطوال مدة
حكمه بلغ اضطهاده لبني إسرائيل مبلغه‏,‏ وولد نبي الله موسي ـ عليه السلام ـ في زمن
حكمه‏,‏ وتربي في بيت الفرعون من بعد فطامه في بيت أمه‏,‏ وبقي في قصر فرعون إلي أن
بلغ أشده‏(‏ ثلاثين سنة‏),‏ وفي يوم من الأيام دخل المدينة فوجد فيها رجلين يقتتلان
أحدهما من شيعته‏(‏ إسرائيلي‏)‏ والآخر من عدوه‏,‏ فاستنجد به الذي من شيعته فوكز
موسي الذي من عدوه وكزة أدت إلي وفاته‏,‏ فاستغفر موسي ربه لأنه ما كان يقصد قتل
المصري‏.‏ ولما شاع الخبر وطلب الفرعون رأس موسي فر موسي إلي أرض مدين‏,‏ حيث عاش
عشر سنوات في كنف نبي الله شعيب الذي صاهره موسي بزواج احدي ابنتيه‏,‏ ثم استأذنه
في العودة إلي مصر فأذن له‏.‏
وفي أثناء ارتحال موسي وأسرته من أرض مدين إلي مصر
تلقي موسي الأمر الإلهي بتبليغ رسالة الله إلي فرعون وملئه ومنها السماح
للإسرائيليين بالخروج من مصر‏,‏ وأعطاه الله ـ سبحانه وتعالي ـ من المعجزات الحسية
ما يشهد له بصدق نبوته‏.‏
وبعد وصوله إلي أرض مصر تبين موسي أن رمسيس الثاني كان
قد مات وهو في أرض مدين‏,‏ وخلفه من بعده ابنه مرنبتاح‏(‏ أو منفتاح‏)‏ الأول فذهب
مع أخيه هارون إلي مرنبتاح يدعوانه إلي الإيمان بالله الواحد الأحد‏,‏ ويطلبان منه
السماح لبني إسرائيل بالخروج معهما من أرض مصر إلي بلاد الشام والذين كانوا قد
استذلهم رمسيس الثاني بأكثر مما استذلهم به أسلافه فكان يذبح أبناءهم ويستحيي
نساءهم أولا‏:‏ لأنهم كانوا علي التوحيد وسط بحر من الوثنيات القديمة‏,‏ وثانيا‏:‏
لأنهم كانوا يتعاونون سرا مع الهكسوس من أجل عودتهم إلي احتلال أرض مصر بعد أن
كانوا قد أخرجوا منها‏,‏ خاصة أن الإسرائيليين علي أرض مصر كانوا قد خانوا عهد
الفرعون سيتي الأول‏(‏ والد رمسيس الثاني‏)‏ وتعاونوا مع أهل بلاد الشام ضده‏,‏ كما
خانوا عهود رمسيس الثاني وعرضوه لخدعة كلفته فيلقا كاملا من جنده‏,‏ وكادت تلك
الخدعة أن تودي بحياة هذا الفرعون نفسه في معركة قادش‏,‏ ولذلك استمر ابنه مرنبتاح
في اضطهادهم‏.‏
وكان بنو يعقوب قد وفدوا إلي أرض مصر زمن القحط الذي ضرب منطقة
المشرق العربي‏(‏ نحو سنة‏1728‏ ق‏.‏م‏)‏ بعد أن بيع يوسف بن يعقوب رقيقا لعزيز
مصر‏,‏ ثم أكرمه الله ـ تعالي ـ بعد سلسلة من الابتلاءات بأن جعله أمينا علي خزائن
أرض مصر‏.‏
وبعد أن عاد رمسيس الثاني من معركة قادش بعد توقيع الصلح مع الحيثيين
بدأ المبالغة في التنكيل بالإسرائيليين لخيانتهم له‏,‏ ثم لرؤيته في المنام رؤيا
فسرت له بأن غلاما يولد في بني إسرائيل يتحقق علي يديه هلاك فرعون مصر وزوال
حكمه‏.‏ ولقد أزعج تفسير هذه الرؤيا رمسيس الثاني إزعاجا شديدا‏,‏ وفي غمرة ذلك أمر
بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل فور ولادته‏,‏ وأن يترك الإناث من هذه المواليد
للقيام بالخدمة في بيوت المصريين‏,‏ ثم مع الشكاوي المتعددة أمر بذبح الغلمان
الإسرائيليين عاما وإعفائهم من القتل عاما‏.‏ ونظر لخيانات الإسرائيليين المتكررة
لم يشركهم المصريون في عمليات القتال‏,‏ وكان الفرعون يسخرهم في الأعمال المدنية
الشاقة من مثل قطع الأحجار‏,‏ وصناعة الطوب‏,‏ وأعمال البناء‏,‏ ولما كانت غالبيتهم
أهل بداوة ورعي‏,‏ فإنهم لم يتعودوا علي مثل هذه الأعمال الشاقة فتمردوا عليها‏,‏
وطالبوا بالخروج إلي بلاد الشام‏,‏ ولما كان مثل هذا الخروج قد يضيف قوة إلي أعداء
مصر المتربصين بها الدوائر فقد تمسك كل من رمسيس الثاني وابنه مرنبتاح الأول بعدم
خروج الإسرائيليين من أرض مصر‏,‏ وزاد استذلالهم والتنكيل بهم‏.‏
جاء موسي
وهارون إلي فرعون مصر مرنبتاح الأول يبلغانه رسالة ربه‏,‏ وأطلعاه علي ما يشهد لهما
بالنبوة من المعجزات الحسية فرد فرعون بأنه السحر‏,‏ وتحداهما بسحرته‏,‏ وعند
اللقاء ألقي السحرة سجدا‏,‏ وقالوا‏:...‏ آمنا برب هارون وموسي‏*.‏
استشاط
مرنبتاح غيظا وتهدد سحرته بما يسجله القرآن الكريم في الآيات التالية‏:‏


﴿ قَالَ
آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ
السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ

وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ
وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى *
قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ
وَالَّذِي
فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الحَيَاةَ الدُّنْيَا
* إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا
وَمَا
أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ

وَاللَّهُ خَيْرٌ
(‏ طه‏:71‏ ـ‏73).‏
ومع هذا التهديد والوعيد استعد الفرعون مرنبتاح
الأول لمقاتلة موسي وقومه وجميع من آمن معه فنجاهم الله ـ تعالي ـ بعدد من المعجزات
الخارقة التي كان من أعظمها عبورهم خليج السويس الذي يسره الله ـ تعالي ـ لهم وأغرق
مرنبتاح وجنوده فيه‏,‏ ثم ينجيه ببدنه ليكون آية لجميع من يأتي من بعده إلي يوم
القيامة‏,‏ وفي ذلك يقول القرآن الكريم‏:‏
﴿ وَلَقَدْ
أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي
البَحْرِ يَبَساً لاَّ تَخَافُ دَرَكاً

وَلاَ تَخْشَى *
فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ اليَمِّ مَا غَشِيَهُمْ *
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ

وَمَا هَدَى
‏(‏ طه‏:77‏ ـ‏79).‏
ويقول رب العالمين ـ سبحانه وتعالي‏:-‏
﴿ وَجَاوَزْنَا
بِبَنِي إِسْرَائِيلَ البَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ
وَجُنُودُهُ
بَغْياً
وَعَدْواً
حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي
آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ

وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ
عَصَيْتَ قَبْلُ
وَكُنتَ مِنَ
المُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ
آيَةً
وَإِنَّ
كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ
(‏ يونس‏:90‏ ـ‏92).‏
وفي سنة‏1977‏ م أغري دهاقنة الحركة الصهيونية
العالمية الإدارة المصرية بإخراج بعض آثار قدماء المصريين لعرضها في متاحف
العالم‏.‏
وقد رأيت بنفسي طوابير المصطفين أمام أحد تلك المتاحف في مدينة لوس
أنجيليس من قبل صلاة الفجر حاملين مظلاتهم تحت وابل الأمطار حتى يلحقوا فرصة
لمشاهدة تلك الآثار النادرة‏.‏ ونتيجة لذلك تعرضت بعض المومياءات لرطوبة الجو التي
أدت إلي تعفن أجزاء منها‏,‏ وكان من المومياءات التي تعرضت لشئ من التعفن مومياء
الفرعون مرنبتاح الأول فأرسل إلي فرنسا للعلاج في أواخر الثمانينات من القرن
العشرين‏,‏ واستقبل الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران ووزراؤه وكبار موظفيه تلك
المومياء استقبالا ملكيا ثم قدم لمحاكمة هزلية علي التلفاز الفرنسي حاكتها الحركة
الصهيونية العالمية‏,‏ وأتي له بالمحامين والقضاة والمدعين العامين في مسرحية رخيصة
لمحاكمة ميت منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة‏.‏
وبعد هذه المحاكمة الهزلية تم نقل
المومياء إلي جناح خاص في مركز الآثار الفرنسي لعلاج ما أصابها من العفن واستكشاف
شئ من أسرارها الكثيرة‏.‏ وكان من بين الدارسين والمعالجين لتلك المومياء الطبيب
الفرنسي الشهير موريس بوكاي‏
(Maurice Bucaille)
.‏ وقد فوجئ دكتور بوكاي وزملاؤه عند فك أربطة المومياء باليد اليسري
لهذا الجسد المحنط تندفع فجأة إلي الأمام‏,‏ وفهم من ذلك أن المحنطين كانوا قد
أجبروا تلك اليد علي الانضمام إلي الصدر عنوة‏,‏ كما ظهرت بقايا ملحية عديدة علي
جسد المومياء‏,‏ وتبين أن عظام المومياء مكسورة في أكثر من موضع بدون تمزق الجلد‏,‏
واستنتج الدارسون من تلك الملاحظات أن صاحب تلك المومياء لابد وأنه مات غارقا في
بحر مالح‏,‏ وأن تكسر عظامه دون تمزق الجلد مرده إلي قوة ضغط الماء علي جسده بعد
غرقه‏,‏ وأن أمواج البحر ألقت بجثته علي الشاطئ بعد غرقه مباشرة‏,‏ أو أن فريقا من
الغواصين قد استخرجها بعد واقعة الغرق في الحال‏.‏
وفسرت الوضعية الغريبة ليد
المومياء اليسرى بتشنجها لحظة الغرق وهو يدفع الماء بدرعه التي كان يحملها بها‏,‏
بينما كان يحمل لجام فرسه أو سيفه باليد اليمني‏,‏ فتيبست اليد اليسرى علي هذا
الوضع واستحالت عودتها إلي سيرتها الأولي‏.‏
وبينما كان الدكتور موريس بوكاي يعد
تقريره عن تلك المومياء ظانا أنه توصل إلي كشف حقيقة لم يعرفها أحد قبله جاء إلي
علمه أن القرآن الكريم وهو كتاب أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة يسجل تلك الواقعة
بدقة فائقة كما جاء في الآيات البقرة‏:(50),‏ الأنفال‏:(54),‏ والآيات‏(90‏ ـ‏92)‏
من سورة يونس‏,‏ والآيات‏(77‏ ـ‏79)‏ من سورة طه‏,‏ وغيرهما‏.‏ واستغرب الدكتور
بوكاي سبق القرآن الكريم بالإشارة إلي نجاة تلك الجثة بعد غرقها‏,‏ لأن تلك
المومياء لم تكتشف إلا في سنة‏(1898‏ م‏),‏ والتحنيط لم يعرف إلا في حدود ذلك
التاريخ أو بعده‏!‏
أعيدت المومياء إلي مصر بعد علاجها وبعد أن طبعت في ذاكرة
الدكتور بوكاي فضولا شديدا لدراسة الإشارات الكونية في القرآن الكريم فأمضي عشر
سنوات يدرس ذلك‏,‏ وأذهله التطابق الشديد بين تلك الإشارات القرآنية وحقائق العلم
في أعلي مراتبه الحالية‏,‏ وسجل شهادته تلك في واحد من أهم الكتب التي صدرت في
القرن العشرين وسماه‏:‏ الكتاب والقرآن والعلم‏:‏ دراسة الكتب المقدسة في ضوء
المعارف الحديثة‏
(LaBible, Le Qur'anella Science)‏
وكانت هذه الآية الكريمة التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال هي مدخل
الدكتور بوكاي لمعرفة حقيقة الإسلام‏.‏
فالحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد
لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام ـ صلي الله وسلم وبارك
عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين ـ وآخر دعوانا أن
الحمد لله رب العالمين‏.‏

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://activinspire.ahlamontada.net
نبيلة محمود خليل
مديرة موقع رحماك ربى
مديرة موقع رحماك ربى
avatar

انثى عدد المساهمات : 1427
تاريخ التسجيل : 29/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: الإعـجاز التاريخـي مع نبيلة ونبيل الإعـجاز التاريخـي    الجمعة يناير 04, 2013 1:06 pm

﴿ فَأُلْقِيَ
السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هاَرُونَ وَمُوسَى﴾ ‏[‏ طه‏:70]


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في بدايات النصف الثاني من سورة طه‏,‏
وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها مائة وخمس وثلاثون‏(135)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا
الاسم تكريما لخاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ لأن طه اسم من
أسمائه الشريفة بدليل توجيه الخطاب إليه مباشرة بعد هذا النداء الكريم‏,‏ وإن
اعتبر نفر من المفسرين
هذين الحرفين‏(‏ طه‏)‏ من المقطعات الهجائية التي استهلت بها تسع وعشرون‏(29)‏ سورة
من سور القرآن الكريم‏.‏
هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة طه وما جاء فيها من
ركائز العقيدة والإشارات العلمية‏,‏ ونركز هنا علي ومضة الإعجاز التاريخي في
استعراض القرآن الكريم لقصة النبي الكريم موسي بن عمران ومنها موقعة لقائه بسحرة
فرعون ذلك الحدث التاريخي الكبير الذي انتهي بسجود السحرة لرب العالمين كما لخصته
الآية القرآنية الكريمة التي اخترناها عنوانا لهذا
المقال‏.‏

من أوجه الإعجاز التاريخي في الآية الكريمة:
في مقال سابق استعرضنا طرفا من سيرة عبد الله ونبيه موسي بن عمران‏,‏
وولادته في زمن ذبح كل غلام يولد في بني إسرائيل عقب ولادته مباشرة‏,‏ ولخصنا كيفية
إنجاء الله ـ تعالي ـ له من الذبح‏,‏ وتربيته في بيت فرعون حتى بلغ أشده‏(‏ قرابة
الثلاثين عاما‏),‏ وألمحنا إلي الإعجاز التاريخي في استعراض القرآن الكريم لتلك
المرحلة من حياة هذا النبي الكريم‏,‏ ونستكمل ذلك في هذا المقال‏.‏
في يوم من
الأيام دخل الشاب موسي بن عمران مدينة منف فوجد فيها رجلين يقتتلان أحدهما من
شيعته‏(‏ سامري‏)‏ والآخر من عدوه‏(‏ مصري‏),‏ فاستنجده الذي من شيعته علي الذي من
عدوه فوكز موسي العدو وكزة أدت إلي وفاته‏,‏ وحزن موسي لذلك واستغفر ربه لأنه ما
كان يقصد قتل المصري‏,‏ ولكن كان يريد فض الاشتباك بينه وبين السامري‏,‏ وبات في
المدينة خائفا يترقب أن يذكر أحد اسمه مقرونا بتلك الجريمة‏.‏
وفي اليوم التالي
فوجئ موسي بالذي استنصره بالأمس يستنجد به مرة أخري علي رجل آخر من أهل مصر‏,‏ فغضب
موسي عليه قائلا له موبخا‏:‏إنك لغوي مبين فتملك الذعر السامري حين أقدم موسي لفك
الاشتباك بينه وبين المصري ظانا أن موسي قد تقدم ليضر به هو فصاح السامري قائلا‏:‏
﴿
يَا مُوسَى
أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلاَّ
أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ

وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ
‏(‏ القصص‏:19).‏
كذلك فزع المصري عندما علم أن موسي هو الذي تسبب
في موت قتيل الأمس‏,‏ وولي هاربا وهو يصيح بأن موسي قاتل‏,‏ وهو الذي قتل المصري
بالأمس‏,‏ وأدرك موسي أن سره قد انكشف‏,‏ فاختفي عن الأنظار‏,‏ ولما وصل الأمر إلي
فرعون أمر بقتل موسي عقابا له علي جريمته‏,‏ وسمع بذلك ابن عم فرعون اسمه حزقيل
وكان رجلا مؤمنا بالله‏,‏ وكان فرعون قد ائتمنه علي خزائنه‏,‏ وعلمنا باسمه من حديث
رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ الذي قال فيه‏:‏سباقو الأمم ثلاثة لم يكفروا
بالله طرفة عين‏,‏ حزقيل مؤمن آل فرعون‏,‏ وحبيب النجار صاحب يس‏,‏ وعلي بن أبي
طالب‏.‏ خرج حزقيل علي الفور باحثا عن موسي حتى عثر عليه فأخبره بقرار فرعون ونصحه
بالخروج من أرض مصر بالكامل فورا‏,‏ وفي ذلك يقول القرآن الكريم‏:‏
﴿ وَجَاءَ
رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا المَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ المَلأَ
يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ *
فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ
الظَّالِمِينَ
‏(‏ القصص‏ 20،21) خرج موسي مهاجرا من أرض مصر حتى وصل إلي أرض مدين‏,‏
وعند بئر الماء في تلك الأرض وجد موسي جماعة من الناس يسقون‏,‏ ورأي من حولهم
فتاتين تمنعان غنمهما من الاختلاط بأغنام الذين يسقون‏,‏ فتقدم منهما موسي وسألهما
لماذا لا تسقيان كما يفعل بقية الناس؟ فأجابتا بأن عليهما الانتظار حتى يسقي الرجال
وينصرفوا‏,‏ وأن أباهما شيخ كبير لا يقدر علي القيام بذلك‏,‏ فأسرع موسي إلي
مساعدتهما وسقي لهما ثم التجأ إلي مكان ظليل متوجها إلي الله ـ تعالي ـ بالدعاء أن
يفرج كربه‏.‏
عادت الفتاتان إلي أبيهما وهو نبي الله شعيب‏,‏ وذكرتا له ما حدث
معهما‏,‏ فأمر إحداهما بالذهاب إلي الرجل الذي سقي لهما ودعوته إلي بيت أبيها كي
يشكره ويكافئه علي مساعدتهما‏,‏ فأتته تمشي علي استحياء وأبلغته دعوة أبيها له‏,‏
وقبل موسي الدعوة‏,‏ وسار أمامها وهي توجهه إلي بيت أبيها حتى بلغاه‏,‏ فاستقبله
الوالد وعرفه بنفسه وأكرم وفادته‏,‏ وعلي مائدة الطعام قص موسي عليه قصته فهدأ
الشيخ من روعه مؤكدا له أن الله ـ تعالي ـ قد أنجاه من القوم الظالمين الذين لا
سلطان لهم علي أرض مدين‏.‏
وفي خلوة مع أبيها اقترحت احدي الابنتين عليه أن يتخذ
هذا الغريب القوي الأمين أجيرا عنده يساعده في رعي غنمه‏,‏ وفي بقية أعماله‏,‏
فاستساغ الوالد الفكرة لما رأي في موسي‏,‏ من صلاح وإيمان وحسن خلق‏,‏ ورأي أن أفضل
السبل إلي تحقيق ذلك أن يتخذه زوجا لإحدى ابنتيه‏,‏ وعرض الأمر عليه مقابل أن يخدمه
ثماني حجج أي ثماني سنوات فإن أتمها عشرا كان ذلك كرما منه‏,‏ وافق موسي علي عرض
الشيخ‏,‏ وتعاهدا علي تنفيذ ما اتفقا عليه‏.‏

وبعد تمام السنوات العشر
استأذن موسي والد زوجته في العودة بها إلي مصر فأذن له‏.‏ ارتحل موسي مع زوجه
متجهين إلي أرض مصر ولكنهما ضلا الطريق في شبه جزيرة سيناء في ليلة شديدة الظلام
وقارسة البرد وغزيرة المطر‏,‏ وفي غمرة البحث عن الطريق أبصر موسي علي البعد نارا
تتأجج‏,‏ فنصب خيمة لزوجته وترك غنمه حولها‏,‏ ثم استأذنها في الذهاب إلي النار
لعله يأتي منها بقبس يتدفأ هو وأهله به‏,‏ أو يجد عندها من يرشده إلي الطريق الصحيح
أو يستوضح علي نورها طريقه‏.‏ فلما قصد موسي إلي النار وجدها تضطرم في شجرة خضراء
تزداد خضرة كلما اضطرمت بها النيران وهنالك فوجئ موسي بصوت الحق ـ تبارك وتعالي ـ
يخاطبه‏,‏ ويسجل القرآن الكريم ذلك في خطاب يوجهه ربنا ـ تبارك وتعالي ـ إلي خاتم
أنبيائه ورسله ـ صلي الله عليه وسلم ـ يقول له فيه‏:‏
﴿ وَهَلْ
أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى *
إِذْ رَأَى
نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم
مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ
يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا

رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى *
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ
إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي

وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ
أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن
لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا

وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى * وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى *
قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا

وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي
وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى *
فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا
وَلاَ تَخَفْ
سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ
بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الكُبْرَى
* اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي *
وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي *
وَاجْعَل لِّي
وَزِيراً
مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي
* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي
أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً* إِنَّكَ كُنتَ بِنَا
بَصِيراً * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى
‏(‏طه‏:9-36)‏.
وجاء وصف هذا الموقف كذلك في سورة القصص‏(‏
الآيات‏30-35)‏ وانطلاقا من هذا الموقف الفريد تلقي موسي مرتبة النبوة وكلف بتبليغ
رسالة الله ـ تعالي ـ إلي فرعون وقومه‏.‏
دخل موسي وزوجه إلي مصر والتقي بأهله
ومنهم أخوه هارون الذي كان قد تلقي الأمر الإلهي بمشاركة موسي في تبليغ فرعون مصر
أوامر رب العالمين‏.‏
ذهب كل من موسي وهارون إلي فرعون وأبلغاه رسالة رب
العالمين واستدلا علي نبوتهما بالمعجزات التي أجراها الله ـ تعالي ـ علي أيدي
موسي‏,‏ ولكن فرعون في غطرسته اعتبر تلك المعجزات ضربا من السحر الذي كان شائعا في
مجتمعه‏,‏ ولذلك تحدي كلا من موسي وهارون بسحرته‏,‏ وفي ذلك يقول القرآن الكريم‏:‏
﴿ وَلَقَدْ
أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ

وَأَبَى * قَالَ
أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى *
فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا
وَبَيْنَكَ
مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ

وَلاَ أَنْتَ
مَكَاناً سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ
وَأَن
يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى
‏(‏طه‏:56-59).
ولما جاء الموعد المحدد احتشد الناس ليشهدوا نتيجة
هذا التحدي بين فرعون وسحرته من جهة وهارون وموسي من جهة أخري‏,‏ ويصف القرآن
الكريم هذا المشهد بقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏
﴿ قَالُوا يَا
مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ

وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا
فَإِذَا حِبَالُهُمْ

وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى *
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى * قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ
الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا
كَيْدُ سَاحِرٍ
وَلاَ يُفْلِحُ
السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا
بِرَبِّ هاَرُونَ
وَمُوسَى
(‏ طه‏:65-70).‏
وهذا الموقف الإيماني الرائع من سحرة فرعون لم
تذكره كتب الأولين علي الرغم من التشابه الواضح بين رواية القرآن الكريم وما جاء في
تلك الكتب عن قصة موسي وهارون مع فرعون وملئه‏,‏ مع وضوح الفارق الكبير بين كلام
الله ـ تعالي ـ وكلام البشر‏,‏ ومن هنا يأتي استعراض كتاب الله لتلك القصة ـ بصفة
عامة ـ ولموقف سحرة فرعون ـ بصفة خاصة ـ كما لخصتها الآية القرآنية الكريمة التي
اتخذناها عنوانا لهذا المقال وجها من أوجه الإعجاز التاريخي في كتاب الله يشهد لهذا
الكتاب العزيز بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ كما يشهد بالنبوة وبالرسالة
لسيدنا محمد ـ صلي الله عليه وسلم ـ الذي تلقي القرآن الكريم وحيا من رب
العالمين‏,‏ ولا يمكن لعاقل أن يتصور لذلك مصدرا غير الله الخالق‏,‏ وذلك نظرا
للبعد الزمني الهائل والمقدر بنحو ألفي سنة بين بعثتي النبيين الكريمين محمد بن عبد
الله‏,‏ وموسي بن عمران ـ عليهما وعلي جميع أنبياء الله السلام ـ وللإرادة الإلهية
في جعل خاتم النبيين أميا لا يقرأ ولا يكتب‏,‏ وجعل بعثته في أمة كانت غالبتيها
الساحقة من الأميين‏,‏ وبذلك لم تكن أمة تدوين‏,‏ ورابعا ـ وليس أخيرا ـ إيراد من
المواقف في هذه القصة ما لم يرد في كتب الأولين‏, وعرض القصة في أسلوب رائع‏,‏
وإحاطة بالتفاصيل اللازمة لاستقاء الدروس والعبر في إيجاز لا يقدر عليه إلا رب
العالمين‏.‏ فالحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد
لله علي بعثة خير الأنام ـ صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آلة وصحبه ومن تبع هداه
ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://activinspire.ahlamontada.net
نبيلة محمود خليل
مديرة موقع رحماك ربى
مديرة موقع رحماك ربى
avatar

انثى عدد المساهمات : 1427
تاريخ التسجيل : 29/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: الإعـجاز التاريخـي مع نبيلة ونبيل الإعـجاز التاريخـي    الجمعة يناير 04, 2013 1:07 pm

َأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ
فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ
وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص:7]


بقلم : د زغلول النجار - التاريخ : 2009-10-31


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في أوائل سورة القصص‏,‏ وهي سورة
مكية‏,‏ وآياتها ثمان وثمانون‏(88)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود قصة
عبد الله ونبيه موسي بن عمران مع فرعون وقومه بصورة مفصلة فيها ويدور المحور
الرئيسي لسورة القصص حول عدد من ركائز العقيدة الإسلامية‏,‏ شأنها في ذلك شأن كل السور المكية‏.‏
هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة القصص وما
جاء فيها من ركائز العقيدة‏,‏ والإشارات التاريخية والعلمية‏,‏ ونركز هنا علي جانب
الإعجاز التاريخي في استعراض جزء من سيرة النبي موسي بن عمران في الآية القرآنية
الكريمة التي اخترناها عنوانا لهذا المقال‏.‏

من أوجه الإعجاز التاريخي في الآية الكريمة

جاء ذكر نبي الله موسي بن عمران في القرآن الكريم مائة وستا
وثلاثين‏(136)‏ مرة في أربع وثلاثين‏(34)‏ سورة من سور هذا الكتاب العزيز البالغ
عددها مائة وأربع عشرة‏(114)‏ سورة‏.‏
وفي الأثر أن كلا من الأخوين هارون وموسي
ولد في مصر زمن الفرعون المعروف باسم رمسيس‏(‏ رعمسيس‏)‏ الثاني الذي حكم مصر في
عهد الأسرة التاسعة عشرة في الفترة الممتدة من‏1301‏ ق‏.‏ م إلي‏1235‏ ق‏.‏ م
تقريبا وقد عرف رمسيس الثاني باسم فرعون الاضطهاد لأنه كان جبارا في الأرض ظالما‏,‏
كافرا بأنعم ربه حتى ادعي الألوهية حيث قال‏:...‏ أنا ربكم الأعلى ‏(‏
النازعات‏:24)‏ وقال مخاطبا شعبه‏:..‏ يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري‏...(‏
القصص‏:38).‏ اضطهد فرعون مصر رمسيس الثاني كل مؤمن بالله في شعبه الذي قسمه
شيعا‏,‏ وفي ذلك يقول القرآن الكريم إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف
طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين‏.(‏
القصص‏:4).‏
ويروي الدكتور سليم حسن‏(‏ جـ‏6,‏ ص‏45,44)‏ أن من الذين استضعفهم
فرعون واضطهدهم بنو إسرائيل الذين خانوا أباه سيتي الأول‏(‏ أبو رمسيس الثاني‏)‏
وتعاونوا مع أعدائه في بلاد الشام‏,‏ كما خانوا العهد معه وعرضوه لخدعة من اثنين من
البدو كلفته فيلقا كاملا من جيشه‏,‏ وكادت الخدعة تودي بحياته هو في معركة قادش‏.‏
وكان بنو إسرائيل قد وفدوا إلي مصر زمن القحط الذي ضرب منطقة المشرق العربي‏(‏
سنة‏1728‏ ق‏.‏ م‏)‏ بعد ان بيع يوسف بن يعقوب رقيقا لعزيز مصر‏,‏ ثم أكرمه الله ـ
سبحانه وتعالي ـ بعد سلسلة طويلة من الابتلاءات بأن جعله أمينا علي خزائن أرض مصر
في زمن احد ملوك الهكسوس‏,‏
وهم عرب كانوا قد حكموا مصر فترة من الزمن حتى حررها
ملوك الأسرة الثامنة عشرة الذين طاردوا الهكسوس إلي بلاد الشام‏.‏ ولما عاد رمسيس
الثاني من معركة قادش بعد توقيع الصلح مع الحيثيين بدأ التنكيل بالإسرائيليين خاصة
بعد أن رأي في منامه رؤيا مفزعة فسرت له بأن غلاما يولد في بني إسرائيل يتحقق علي
يديه هلاك فرعون مصر وزوال حكمه لأرض مصر‏.‏ وقد أزعج تفسير الرؤيا هذا الفرعون
إزعاجا شديدا وأفزعه علي مستقبل حكمه وملك أبنائه وذريته من بعده‏.‏
وفي غمرة
جنون الخوف والفزع من المستقبل المجهول أمر رمسيس الثاني بقتل كل غلام يولد في بني
إسرائيل فور ولادته‏,‏ وان يترك الإناث من هؤلاء المواليد للقيام بالخدمة في بيوت
المصريين‏.‏ وبتطبيق هذا القانون الجائر قلت الأيدي العاملة في المجالات التي لا
يقوي عليها إلا الذكور من مثل استخراج الأحجار من مقالعها‏,‏ وأعمال البناء
والزراعة والصناعة وغيرها من الأعمال الشاقة‏,‏ فاشتكي أهل مصر من ذلك النقص في
اليد العاملة إلي الفرعون فتفتق ذهنه عن فكرة جهنمية مؤداها ذبح جميع من يولد من
غلمان بني إسرائيل عاما وإعفاء مواليد الغلمان من الذبح في العام الذي يليه حتى
يكون من المعافين من الذبح طبقة من أصحاب الأيدي العاملة في الأعمال الشاقة‏,‏ وظل
العمل علي هذا المنوال طيلة فترة حكمه التي استمرت حوالي سبعة وستين‏(67)‏ سنة‏(‏
من حوالي‏1301‏ ق‏.‏ م إلي‏1234‏ ق‏.‏ م‏)‏
ولد هارون بن عمران الأخ الأكبر
لموسي في عام لم يكن يذبح فيه غلمان بني إسرائيل فنجاه الله ـ سبحانه وتعالي ـ من
الذبح‏,‏ ثم ولد أخوه موسي بن عمران في سنة كان غلمان بني إسرائيل يذبحون‏,‏ ولاحظ
كل من رأي هذا الوليد المبارك أن الله ـ تعالي ـ قد ألقي عليه محبة منه‏,‏ فكان كل
من رآه من أهله أو من جواسيس الفرعون وقابلاته يقع حب هذا الوليد الجديد في قلبه‏,‏
فيساعد الأسرة المنكوبة علي إخفائه‏,‏ ولذلك يمتن ربنا ـ تبارك وتعالي ـ علي عبده
موسي بعد أن كبر وآتاه الله النبوة فيقول له:
﴿...وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ
عَلَى عَيْنِي

(‏ طه‏:39).‏ هذه المحبة التي ألقاها الله ـ تعالي ـ علي عبده موسي
استقرت في قلوب الناس وجعلتهم يعاونون أمه علي إخفاء رضيعها من زبانية فرعون
وجواسيسه الذين كانوا يجوبون حواري بني إسرائيل بحثا عن المواليد الجدد من
الغلمان‏.‏
ولكن مع اشتداد وطأة البحث‏,‏ وانتشار الجواسيس والقابلات‏,‏ زاد خوف
أم موسي عليه‏,‏ وفزعت فزعا شديدا من إمكانية انتزاعه من بين أحضانها وذبحه‏.‏ وفي
غمرة خوفها وقلقها وحيرتها وهي تفكر في كيفية حماية وليدها موسي ألهمها الله ـ
تعالي ـ أن تضعه في مهده ثم في صندوق يحميه من البلل بالماء‏,‏ وأن تضع الصندوق في
اليم‏(‏ نهر النيل‏)‏ الذي كان متاخما لبيتها‏,‏ بعد أن تربطه بحبل متين يشده إلي
البيت‏..‏ وكانت تسترجع وليدها إلي البيت لإرضاعه ثم ترده إلي مكانه في نهر النيل
مخبأ بين أعشابه ونباتاته‏,‏ خوفا من مفاجأة جواسيس فرعون لبيتها وانتزاع وليدها من
بين أحضانها‏.‏
وفي يوم من الأيام تمكن تيار الماء في نهر النيل من قطع الحبل
الذي يربط صندوق موسي إلي بيت أمه‏,‏ وتحرك تيار الماء بالصندوق وبداخله الرضيع
موسي حتى أوصله إلي شاطئ قصر الفرعون الذي كان قائما علي بحيرة متصلة بالنيل
فالتقطه حراس القصر وخدمه‏,‏ وتم فتح الصندوق في حضرة زوجة الفرعون‏,‏ وكانت سيدة
مؤمنة بالله‏,‏ وكان اسمها آسية‏(‏ أو إست نفرت‏),‏ وقد ضرب الله ـ تعالي ـ بها
المثل للإيمان الصادق في محكم كتابه العزيز فقال‏:‏
﴿ وَضَرَبَ
اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ
ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ

وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ
وَعَمَلِهِ
وَنَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ
‏(‏ التحريم‏:11)‏
وعند فتح الصندوق وقعت عينا السيدة المؤمنة آسية
زوجة فرعون مصر علي الطفل الرضيع موسي بن عمران فرأت في وجهه نورا أوقع محبته في
قلبها فتعلقت به بسبب المحبة التي ألقاها الله ـ تعالي ـ عليه‏,‏ ووصل الخبر إلي
الفرعون فجاء غاضبا وأدرك أن الرضيع هو أحد غلمان بني إسرائيل الذي حاول أهله
إخفاءه عن أعين الذباحين من جنده وعملائه‏,‏ وأمر بقتل الغلام علي الفور‏,‏ ولكن
زوجته الصالحة ألحت عليه بالرجاء أن يستبقيه لهما فرحة ومسرة وقرة عين‏,‏ فاستجاب
الفرعون لرجاء زوجته بعد إلحاح طويل منها‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏
﴿
وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ
فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ

وَلاَ تَخَافِي
وَلاَ تَحْزَنِي
إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ

وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ
لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُواًّ

وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ
وَهَامَانَ
وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ
قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي

وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ
نَتَّخِذَهُ
وَلَداً
وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ
‏(‏القصص‏:7‏ ـ‏9).‏
وعندما فوجئت أم موسي باختفاء الصندوق الذي
كانت قد خبأت فيه رضيعها موسي فزعت فزعا شديدا‏,‏ وأمرت أخته بالإسراع في اقتفاء
أثره‏,‏ وجرت أخته علي طول ساحل النيل من بيتها إلى قصر الفرعون ففوجئت بأن الصندوق
قد وصل إلى القصر‏,‏ فطار عقلها من الجزع والخوف علي أخيها كما طار عقل أمها وأصبح
خاليا من كل شئ في الدنيا إلا ذكر موسي وكيفية إنجائه من قبضة الفرعون‏.‏ وفي ذلك
يقول القرآن الكريم‏:‏
﴿ وَأَصْبَحَ
فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا
عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ *
وَقَالَتْ
لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ
وَهُمْ لاَ
يَشْعُرُونَ
(‏ القصص‏:11,10).‏
جاع الطفل موسي وأخذ في البكاء حتى ملأ قصر
الفرعون ببكائه فأمرت السيدة آسية بجلب عدد من المرضعات للطفل الباكي‏,‏ ولكن كلما
جاءت إحداهن لترضعه أبي أن يأخذ بثديها‏,‏ واشتد جوع الطفل وعلا صراخه‏,‏ والمرضعات
يترددن علي القصر دخولا وخروجا دون أن يقبل الرضاعة من أيهن‏,‏ فتسللت أخت موسي إلى
داخل القصر مع المرضعات الداخلات وشاهدت أخاها يبكي ويرفض الرضاعة من آية مرضعة‏,‏
فتقدمت من السيدة آسية عارضة أن تدلها علي من يمكن أن يقبل هذا الطفل الرضاعة منها
فوافقوا فورا علي ذلك‏,‏ فذهبت وعادت لهم بأمه فأقبل عليها ورضع منها‏,‏ فدفعوا
بالطفل إلي أمه وأجروا لها راتبا أجر إرضاعها له‏,‏ وعرضت آسية علي أم موسي إمكانية
الإقامة في القصر حتى لا تحرم من رؤية موسي‏,‏ ولكنها اعتذرت بضرورة القيام علي
شئون أسرتها‏,‏ فوافقت آسية علي اصطحاب أم موسي لرضيعها وأغدقت عليها بالعطايا علي
ألا تحرمها من رؤية الطفل من وقت إلي آخر‏.‏ وعادت أم موسي إلي بيتها فرحة برضيعها
الذي نجاه الله ـ تعالي ـ من الذبح‏,‏ وحقق لها أولي البشريين اللتين رأتهما في
منامها‏,‏ وفي ذلك يقول القرآن الكريم‏:‏
﴿
وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى
أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ

وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ *فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ
عَيْنُهَا
وَلاَ تَحْزَنَ
وَلِتَعْلَمَ أَنَّ
وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
(‏ القصص‏:13,12).‏
ويمن ربنا ـ تبارك وتعالي ـ علي عبده ونبيه موسي
بذلك قائلا له‏:‏
﴿ وَلَقَدْ
مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى *
أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ
بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي

وَعَدُوٌّ لَّهُ
وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ
عَلَى عَيْنِي * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن
يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا
وَلاَ تَحْزَنَ
وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغَمِّ وَفَتَنَّاكَ
فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا
مُوسَى
(‏ طه‏:37‏ ـ‏40).‏
وبعد فطام موسي أعادته أمه إلي السيدة المؤمنة
آسية زوجة فرعون مصر لينشأ هذا الصغير في قصره‏,‏ وليتربي تربية أبناء الملوك تحت
عطف وحب ورعاية من فرعون وزوجه‏.‏
وقصة ولادة موسي في زمن ذبح غلمان بني إسرائيل
عقب ولادتهم‏,‏ وإنجاء الله ـ تعالي ـ له من الذبح علي أيدي جند فرعون وأعوانه‏,‏
وتربية هذا الطفل في بيت عدو الله وعدوه فرعون مصر حتى بلغ أشده‏,‏ هذه القصة لها
ما يشبهها في بعض كتب الأولين مع الفارق الهائل بين كلام الله وكلام
البشر‏.‏
وإذا علمنا أن الفارق الزمني بين كل من النبيين الكريمين محمد بن عبد
الله وموسي بن عمران يقدر بحوالي ألفي سنة‏,‏ وأن الرسول الخاتم قد اختار الله ـ
تعالي ـ له أن يكون أميا لا يعرف القراءة ولا الكتابة‏,‏ وأن يبعث في أمة كانت
غالبيتها الساحقة من الأميين الذين لا يعرفون التدوين أدركنا ومضة الإعجاز التاريخي
في عرض القرآن الكريم لقصة ميلاد النبي الكريم موسي بن عمران في روعة من الصياغة‏,‏
ودقة من التفاصيل‏,‏ تفتقر اليهما روايات الأولين‏,‏ وفي إيجاز معجز يشهد للقرآن
الكريم بأنه كلام رب العالمين‏,‏ كما يشهد للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة
وبالرسالة فصلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي
يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://activinspire.ahlamontada.net
نبيلة محمود خليل
مديرة موقع رحماك ربى
مديرة موقع رحماك ربى
avatar

انثى عدد المساهمات : 1427
تاريخ التسجيل : 29/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: الإعـجاز التاريخـي مع نبيلة ونبيل الإعـجاز التاريخـي    الجمعة يناير 04, 2013 1:08 pm

﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ
لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾[‏يوسف‏:4]


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في مطلع سورة يوسف‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏
وآياتها مائة واحدي عشرة‏(111)‏ آية بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لدورانها
حول قصة نبي الله يوسف‏,‏ وهي القصة الوحيدة من قصص الأنبياء
التي جاءت كاملة في احدي سور القرآن الكريم‏.‏ وقد جاء ذكر نبي الله يوسف ـ عليه
السلام ـ باسمه صراحة في أربع وعشرين‏(24)‏ آية من آيات السورة التي تحمل اسمه‏,‏
كما جاء في آية واحدة في كل من سورتي الأنعام وغافر‏,‏ وبذلك يكون ذكر هذا النبي
الصالح قد جاء في ست وعشرين‏(26)‏ آية من آيات القرآن الكريم‏.‏
ويدور المحور
الرئيسي لسورة يوسف حول سلسلة الابتلاءات التي عرضه الله ـ تعالي ـ لها تمحيصا
لشخصه الكريم حتى يكون في ذلك سلوى لخاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم
ـ وسط كل التحديات التي تعرض لها من كفار ومشركي قريش بعد عام الحزن الذي فقد فيه
كلا من زوجه الوفية أم المؤمنين السيدة خديجة ـ رضي الله عنها ـ وعمه أبي طالب‏,‏
وحتى يري خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ من قصة نبي الله يوسف
ـ عليه السلام ـ أن لنجاح العبد في الابتلاءات التي يتعرض لها مردوده العظيم في
الدنيا قبل الآخرة‏,‏ وأن اعتزاز المرء بإيمانه بالله وانعكاس ذلك علي سلوكه له
أكبر الأثر في تمكينه من دعوة الآخرين‏,‏ والإيمان بأن الحق يعلو ولا يعلي عليه‏,‏
وغير ذلك من القيم الإسلامية الرفيعة‏.‏
هذا وقد سبق لنا استعراض سورة يوسف وما
جاء فيها من ركائز العقيدة‏,‏ والقصص والدروس المستفادة منها‏,‏ وغير ذلك من
الإشارات العلمية‏,‏ ونركز هنا علي أوجه الإعجاز التاريخي والعلمي في استعراض
القرآن الكريم لقصة نبي الله يوسف ـ عليه السلام ـ وفي الرؤيا التي رآها وهو طفل
صغير ثم جعلها ربي حقا‏,‏ والتي تلخصها الآية التي اخترناها عنوانا لهذا
المقال‏.‏

من أوجه الإعجاز العلمي والتاريخي:
علي عادة القرآن الكريم تأتي القصة من أجل استخلاص الدروس والعبر
منها‏,‏ لا من قبيل العرض التاريخي المباشر الذي يعني بالأسماء والتواريخ والأماكن
فقط‏,‏ ولكنها تبقي من الناحيتين العلمية والتاريخية بالغة الدقة والإحكام لأن
القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه‏,‏ فلا يمكن للباطل أن يأتيه
من بين يديه ولا من خلفه‏.‏

ولقد لخصت سورة يوسف قصة هذا النبي الصالح في سلسلة من المحن
والابتلاءات التي يمكن إيجازها فيما يلي‏:‏

‏1‏ ـ كانت المحنة الأولي التي تعرض لها نبي الله يوسف هي استئثاره
بحب أبيه مما تسبب في حقد إخوته عليه‏,‏ والدرس المستفاد من تلك المحنة هو ضرورة
عدم تفرقة الآباء بين الأبناء‏,‏ حتى وإن كان أحدهم أقرب إلي القلب‏,‏ فلا يجوز
إظهار ذلك أمام الآخرين حتى لا يوقع الآباء الفتنة بين أبنائهم‏.‏
‏2‏ ـ وكانت
المحنة الثانية هي الرؤيا المنامية التي رآها يوسف في طفولته والتي لخصها القرآن
الكريم في مطلع السورة‏,‏ يقول ربنا ـ تبارك وتعالي‏:‏ـ ‏
﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ
عَشَرَ كَوْكَباً

وَالشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾
‏‏(‏ يوسف‏:4).‏
والدرس المستفاد من ذلك هو ضرورة التصديق برؤى
الصالحين‏,‏ والحرص علي عدم إفشائها‏,‏ وأخذ الحذر من التباهي بالنعم والإعلان عنها
خشية الغيرة والحسد حتى بين الإخوة‏,‏ مع الإيمان الكامل بأن قدر الله نافذ لا
محالة‏,‏ وفي ذلك يقول القرآن الكريم علي لسان يعقوب ـ عليه السلام ـ بعد أن سمع
رؤيا ابنه يوسف‏:‏
﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ
فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾
‏(‏ يوسف‏:5).‏
‏3‏ ـ وكانت المحنة الثالثة هي كيد إخوة يوسف له الذي
يلخصه القرآن الكريم علي لسان أحدهم بقوله‏:‏
﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ
لَكُمْ

وَجْهُ أَبِيكُمْ
وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ *

قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ
إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ ﴾
(‏ يوسف‏:10,9).‏
والدرس المستفاد من هذا الموقف هو أن للإخوة حقوقا
كثيرة‏,‏ وعليه فإنه لا يجوز للإنسان أن يسمح للشيطان بإغوائه كي يتجاوزها‏,‏ لأن
الشر لا ينتج إلا شرا‏,‏ وأن الخير لا ينتج إلا خيرا‏,‏ فلا يجوز لمسلم أن يخدع
أخاه المسلم‏,‏ أو أن يخدع نفسه باختلاق المبررات للوقوع في الخطأ‏,‏ والظلم مهما
زينه الشيطان في ناظريه‏.‏
‏4 ‏ ـ وكانت المحنة الرابعة إلقاء الطفل الصغير يوسف
في غيابت الجب‏(‏ أي في قاع بئر الماء‏)‏ وما فيه من ظلمة ووحدة ووحشة‏,‏ ولكن
سرعان ما جاء الفرج من عند الله ـ تعالي ـ فجاءت قافلة وأرسلت فردا منهم فأدلي
بدلوه ليستسقي من الماء‏,‏ فتعلق الطفل الصغير يوسف بالدلو فشعر صاحب الدلو بثقله
وظن أنه قد امتلأ ماء‏,‏ فلما نزع الدلو فإذا بغلام صغير شديد الوسامة قد تعلق
بالدلو فاستبشر به كما استبشر به بقية أفراد القافلة‏,‏ ورحلوا به إلي مصر وباعوه
بثمن بخس إلي رئيس وزراء مصر‏.
باعوه رقيقا وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم
ابن الكريم كما وصفه المصطفي ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏,‏ والدرس المستفاد من هذه
المحنة هو اليقين بلطف الله ورحمته في كل شدة يمر بها المسلم‏,‏ انطلاقا من الإيمان
بأن الله ـ تعالي ـ هو رب هذا الكون ومليكه‏,‏ والدعوة إلي التحلي بالصبر علي
المكاره في جميع الأزمات التي يمر بها الإنسان‏,‏ لأن الصبر من أعظم القيم
الإسلامية‏,‏ ومن أنجع الوسائل التربوية للنفس الإنسانية‏,‏ والعاقبة دوما للصابرين
رضا بقضاء الله وقدره‏,‏ والصادقين يقينا بعدله المطلق ورحمته بعباده‏.
‏5‏ ـ
وكانت المحنة الخامسة هي وقوع امرأة العزيز في حب يوسف‏,‏ والكيد له بمكر وخبث
شديدين هي وصاحباتها بكل وسائل الإغراء التي كن يمتلكنها إلي أن نجاه الله ـ تعالي
ـ من كيدهن بوضعه في السجن ظلما بقرار من عزيز مصر حتى يخلص من عار امرأته‏,‏ ويكف
ألسنة الناس عنها وعنه‏.‏
والدروس المستفادة من هذه المحنة هي الدعوة إلي العفة
والحرص علي صون محارم الآخرين‏,‏ والوفاء لأصحاب الفضل‏,‏ ومراقبة الله في السر
والعلن‏,‏ والتحذير من خطورة الخلوة بالمرأة الأجنبية‏.‏
‏6‏ ـ وكانت المحنة
السادسة هي محنة التمكين في الأرض بعد أن فسر يوسف رؤيا ملك مصر وكان هذا الملك من
العماليق الهكسوس العرب‏,‏ وكان ذلك في حدود القرن الثالث عشر قبل الميلاد‏,‏ وقد
فسر يوسف رؤيا الملك علي النحو التالي كما يرويه القرآن الكريم‏:‏
﴿
قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ
فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ
ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا
تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ
النَّاسُ

وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾
‏(‏ يوسف‏:47‏ ـ‏49).‏
‏7‏ ـ أما المحنة السابعة فكانت محنة اللقاء
بإخوته وأبويه بعد فراق طال لعشرات السنين‏,‏ فبعد مرور السنوات السبع الخصبة التي
أعد يوسف ـ عليه السلام ـ عدته فيها بخزن فائض محاصيل الغلال في سنابلها كما علمه
الله‏,‏ جاءت السنوات السبع المجدبة ففتح مخازن الدولة وباع لأهل مصر ما يكفيهم من
الغلال‏,‏ وعندما علم أهل فلسطين بما في مصر من مخزون الغلال أرسلوا وفودهم لجلب
شيء منها‏,‏ وكان من بين تلك الوفود وفد أبناء نبي الله يعقوب ـ عليه السلام ـ
وعندما رآهم يوسف عرفهم وهم لم يعرفوه‏,‏ ولم يجد بينهم أخاه الأصغر بنيامين‏,‏
فأخذ في استدراجهم حتى علم منهم أن أباهم لم يسمح بمفارقة بنيامين له‏.‏
ولما
جهزهم يوسف بالغلال التي اشتروها‏,‏ أمر برد بضاعتهم التي دفعوها ثمنا للغلال في
أوعيتهم حتى يعودوا بها إليه لأنهم لا يقبلون ما ليس لهم‏,‏ ثم قال لهم‏:‏ ائتوني
بأخ لكم من أبيكم أبيع لكم الغلال مرة أخري وأوفي لكم الكيل‏,‏ فإن لم تأتوني به
فلا كيل لكم عندي‏,‏ فقالوا سنراود عنه أباه‏.‏
وعندما عاد إخوة يوسف إلي بلدهم
فتحوا أمتعتهم لاستخراج ما شروه من غلال فوجدوا الثمن الذي دفعوه مدسوسا فيها‏,‏
فشجعهم ذلك علي طلب صحبة أخيهم بنيامين لهم في رحلتهم الثانية إلي مصر علي الرغم من
معارضة أبيهم لذلك‏,‏ ولكن نظرا لشدة القحط‏,‏ ولإلحاح الأبناء لان يعقوب ـ عليه
السلام ـ لطلب أبنائه اصطحابهم لأخيهم بنيامين في رحلتهم الثانية إلي أرض مصر‏,‏
واشترط عليهم أن يؤتوه موثقا من الله أن يعودوا به سالما إلا أن يحاط بهم أي أن
يغلبوا علي أمرهم‏).‏
عاد إخوة يوسف إلي أرض مصر ومعهم أخوهم بنيامين فأكرم يوسف
وفادتهم وأعطاهم طلبهم من الغلال‏,‏ وأمر برد أثمانها إليهم مدسوسة بين الغلال وأن
يوضع صواع‏(‏ كأس‏)‏ الملك في رحل بنيامين كي يستبقيه عنده بالادعاء عليه بأنه أخذ
الصواع‏.‏
وبعد قليل من ارتحالهم نودي عليهم ليعودوا بدعوي أنهم سرقوا صواع
الملك‏,‏ فأظهروا البراءة من ذلك‏,‏ وقالوا‏:‏ من وجد صواع الملك في رحله يؤخذ عبدا
للملك‏.‏ وبالتفتيش وجد الصواع في رحل بنيامين فاحتجزه يوسف‏,‏ وبادر الإخوة
بالرجاء بأن يأخذ أحدهم مكانه فأبي يوسف ذلك‏.‏
رفض الأخ الأكبر العودة مع
إخوته‏,‏ وأشار عليهم بإخبار أبيهم عند عودتهم إليه بما كان من أمر بنيامين‏,‏ فلم
يقتنع الأب بروايتهم‏,‏ وأحاله إلي أمر دبروه بليل كما كادوا لأخيهم يوسف من قبل‏,‏
وفي ذلك يقول القرآن الكريم‏:‏
﴿
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ
وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ
‏(‏ يوسف‏:84).‏
لام أبناء يعقوب أباهم علي ذلك‏,‏ فأمرهم بالعودة
إلي مصر ليبحثوا عن يوسف وأخيه بنيامين‏,‏ وألا ييأسوا من رحمة الله‏,‏ فعادوا إلي
مصر في رحلة ثالثة انصياعا لأمر أبيهم فوجدوا أخاهم بنيامين معززا مكرما في صحبة
يوسف فعرفوا أنه أخوهم وأقرهم يوسف علي ذلك وأمرهم بأمر يلخصه القرآن الكريم بقول
ربنا ـ تبارك وتعالي ـ علي لسانه فقال‏:
﴿ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً
وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ * وَلَمَّا فَصَلَتِ العِيرُ قَالَ
أَبُوَهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَن تُفَنِّدُونِ
‏ (‏ يوسف‏:94,93).‏
شد يعقوب ـ عليه السلام ـ وآله أجمعون رحالهم
إلي أرض مصر‏,‏ فلما جاءوها دخلوا علي يوسف فآوي إليه أبويه‏,‏ فسجد له كل من أبيه
وأمه وإخوانه الأحد عشر سجود الاحترام والتوقير لا سجود العبادة والخضوع ونطق بقول
الحق ـ تبارك وتعالي ـ‏:
﴿...وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ
جَعَلَهَا رَبِّي حَقاًّ...﴾‏
(‏ يوسف‏:100).‏
والدروس المستفادة من هذه المحنة السابعة في حياة
نبي الله يوسف ـ عليه السلام ـ تتلخص في الدعوة إلي العفو عن المسيء‏,‏ واليقين بأن
الله ـ تعالي ـ قد تكفل بنصرة المظلوم ولو بعد حين‏,‏ والتأكيد علي ضرورة الاعتبار
بقصص القرآن كلها‏,‏ وبآيات الله في السماوات والأرض‏,‏ وعلي أن أكثر الناس يقعون
في حبائل الشيطان الذي يغويهم بالشرك بالله أو الكفر به‏,‏ والتحذير من الوقوع في
ذلك لأنه يستوجب نزول عقاب الله في الدنيا قبل الآخرة‏,‏ والتأكيد كذلك علي أن
البشرية تأرجحت عبر تاريخها الطويل بين التوحيد والشرك‏,‏ وبين الإيمان والكفر‏,‏
وبين الاستقامة علي منهج الله والخروج عليه‏(‏ سورة يوسف الآيات‏:103‏
ـ‏107).‏
ومن الدروس المستفادة كذلك من هذه المحنة السابعة في قصة نبي الله يوسف
ـ عليه السلام ـ ضرورة القيام بالدعوة إلي دين الله القائم علي التوحيد الخالص
لجلاله‏,‏ ونفي الشرك نفيا كاملا‏(‏ سورة يوسف‏:108),‏ وضرورة التسليم بوحدة رسالة
السماء وبالأخوة بين الأنبياء وبين الناس جميعا‏,‏ وبنبوة الرسول الخاتم ـ صلي الله
عليه وسلم ـ والاعتبار بعقاب المكذبين لرسل الله في كل زمان ومكان‏(‏ سورة
يوسف‏:110.109).‏

وورود هذه القصة في القرآن الكريم بهذا التفصيل هو وجه من أوجه
الإعجاز التاريخي والعلمي في كتاب الله للمبررات التالية‏:‏

أولا‏:‏ لأن نبي الله يوسف ـ عليه السلام ـ عاش في مصر في حدود
القرن الثالث عشر قبل الميلاد‏,‏ وأن خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم
ـ بعث في مطلع القرن السابع الميلادي‏,‏ أي أن الفترة الزمنية بينهما كانت أكثر من
عشرين قرنا‏,‏ ولم يكن العرب أهل علم وتدوين حتي يتذكروا هذه التفاصيل الدقيقة‏,‏
ولا يمكن الاحتجاج بما جاء في كتب الأولين‏.‏
ثانيا‏:‏ من ومضات الإعجاز
التاريخي والعلمي في استعراض القرآن الكريم لقصة نبي الله يوسف ـ عليه السلام ـ ما
يمكن إيجازه في النقاط التالية‏:‏
‏1‏ ـ استعمال لقب الملك لحاكم مصر خلال كل
السورة بدلا من لقب الفرعون‏,‏ وذلك لأن دخول يوسف عليه السلام ـ ومن بعده أسرته
إلي أرض مصر كان في عهد ملوك الهكسوس الرعاة الذين لم يستخدموا لقب الفرعون‏,‏ بل
استخدموا لقب الملك‏.‏
‏2‏ ـ الإشارة إلي إخوة يوسف ووالديه بتعبير‏:‏ أحد عشر
كوكبا والشمس والقمر يتوافق تماما مع ما أثبته علم الفلك من أن عدد كواكب المجموعة
الشمسية هو أحد عشر كوكبا‏,‏ وأن الشمس لا يمكنها جذب شيء إليها بعد الكوكب الحادي
عشر الذي يقع علي بعد‏(90)‏ وحدة فلكية عن الشمس الذي تم اكتشافه في‏2003/11/14‏ م
وتم الإعلان عنه في‏2004/3/15‏ م وعرف باسم الكوكب سيدنا‏
(Sedna)
.‏
‏3‏ ـ الإشارة إلي أن أفضل وسيلة لحفظ الحبوب التي تنبت في سنابل
من مثل القمح‏,‏ والشعير‏,‏ والذرة‏,‏ والشوفان‏,‏ وغيرها هو حفظها في سنابلها بدلا
من حفظها مفروطة في صوامع الغلال حيث تفسد وهو ما أثبته العلم أخيرا‏.‏
من هنا
كان في استعراض القرآن الكريم لقصة نبي الله يوسف ـ عليه السلام ـ من الشهادات
الناطقة لكل ذي بصيرة بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام
الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله ـ صلي الله عليه وسلم ـ وحفظه
بعهده الذي قطعه علي ذاته العلية‏,‏ فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي
نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام‏..‏ وصلي الله وسلم وبارك عليه وعلي
آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين‏.‏

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://activinspire.ahlamontada.net
نبيلة محمود خليل
مديرة موقع رحماك ربى
مديرة موقع رحماك ربى
avatar

انثى عدد المساهمات : 1427
تاريخ التسجيل : 29/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: الإعـجاز التاريخـي مع نبيلة ونبيل الإعـجاز التاريخـي    الجمعة يناير 04, 2013 1:09 pm

﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ
نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾[‏
الأنبياء‏:83]


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في أوائل الثلث الأخير من سورة
الأنبياء‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها اثنتا عشرة ومائة‏(112)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد
سميت بهذا الاسم لاستعراضها سير عدد من أنبياء الله‏.‏ ويدور المحور الرئيس للسورة
حول قضية العقيدة الإسلامية شأنها في ذلك شأن كل السور المكية‏.‏
هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة الأنبياء‏,‏ وما جاء فيها من ركائز العقيدة
والإشارات الكونية‏,‏ ونركز هنا علي جانب الإعجاز التاريخي في ذكر قصة سيدنا أيوب ـ
عليه السلام ـ والذي تشير الآثار المتوافرة لنا اليوم إلي وفاته قبل بعثة المصطفي
صلي الله عليه وسلم بأكثر من ألفي سنة‏.‏

من أوجه الإعجاز التاريخي في الآية الكريمة
أولا‏:‏ ذكر أيوب
عليه السلام في القرآن الكريم‏:‏

جاء ذكر نبي الله وعبده أيوب ـ عليه السلام ـ في القرآن الكريم أربع
مرات في أربع من سور القرآن الكريم علي النحو التالي‏:‏
‏1.‏
﴿
إِنَّا
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ
وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ
وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ
وَإِسْحَاقَ
وَيَعْقُوبَ
وَالأَسْبَاطِ
وَعِيسَى
وَأَيُّوبَ
وَيُونُسَ
وَهَارُونَ
وَسُلَيْمَانَ
وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً
‏[‏ النساء‏:163]‏.
‏2.‏
﴿ وَتِلْكَ
حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن
نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
*‏
وَوَهَبْنَا
لَهُ إِسْحَاقَ
وَيَعْقُوبَ
كُلاًّ هَدَيْنَا
وَنُوحاً
هَدَيْنَا مِن قَبْلُ

وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ
وَسُلَيْمَانَ
وَأَيُّوبَ
وَيُوسُفَ
وَمُوسَى
وَهَارُونَ
وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ
‏[‏ الأنعام‏:83‏ ـ‏84].‏
‏3.‏
﴿ وَأَيُّوبَ
إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ
وَأَنْتَ
أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
*

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ
وَآتَيْنَاهُ
أَهْلَهُ
وَمِثْلَهُم
مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا

وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ
‏[‏ الأنبياء‏:83‏ ـ‏84].‏
‏4.‏
﴿ وَاذْكُرْ
عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ
بِنُصْبٍ
وَعَذَابٍ
*
ارْكُضْ
بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ

وَشَرَابٌ
*
وَوَهَبْنَا
لَهُ أَهْلَهُ
وَمِثْلَهُم
مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا

وَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ
*
وَخُذْ
بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِّهِ

وَلاَ تَحْنَثْ
إِنَّا
وَجَدْنَاهُ
صَابِراً نِّعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
‏[‏ ص‏:41‏ ـ‏44].‏
وقوله ـ تعالي‏:‏ اركض برجلك أي‏:‏ اضرب الأرض
برجلك‏,‏ وبامتثاله ما أمره الله به نبعت بقدرة الله ـ تعالي ـ عين من الماء
البارد‏,‏ وأمر أن يغتسل فيها‏,‏ وأن يشرب منها فأذهب الله ـ سبحانه وتعالي ـ عنه
كل ما كان بجسده من الأدواء الظاهرة والباطنة‏,‏ وعاد سليما معافي كما كان قبل
الابتلاء‏.
‏ ثم وهبه الله ـ تعالي ـ أهله وماله مضاعفين ـ وكانا قد سلبا منه ـ
وذلك لقوله ـ تعالي‏:‏
﴿ وَوَهَبْنَا
لَهُ أَهْلَهُ
وَمِثْلَهُم
مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا
وَذِكْرَى
لأُوْلِي الأَلْبَابِ

‏.‏ أي‏:‏ وجمعنا شمله بأهله الذين كانوا قد تفرقوا عنه أثناء
ابتلائه‏,‏ وأيام محنته‏,‏ أو الذين كانوا قد ماتوا فعوضه الله ـ سبحانه وتعالي ـ
عنهم وزاد عليهم مثلهم‏,‏ وفعل ربنا ـ تبارك وتعالي ـ ذلك رحمة منا بعبدنا أيوب
جزاء صبره علي البلاء واحتسابه ذلك في سبيل الله‏,‏ وعظة لأصحاب العقول السوية
ليدركوا أن بعد العسر اليسر‏,‏ وأن بعد الشدة الفرج جزاء علي صبر الصابرين واحتساب
المحتسبين‏,‏ وكان أيوب قد حلف أن يضرب زوجه أو أحدا من أهله عددا من الضربات علي
خطأ كان قد ارتكبه‏,‏ فحلل الله ـ تعالي ــ له يمينه بأن يأخذ حزمة من القش‏,‏ فيها
العدد الذي أقسم أن يضرب به‏,‏ فيضرب به ضربة واحدة‏,‏ وفاء بيمينه دون أن يصاب
المضروب بألم يذكر‏.‏ وقد من الله ـ تعالي ـ علي عبده أيوب بهذه النعم جزاء صبره
علي البلاء‏,‏ وتذكرة لكل من ابتلي في جسده أو ماله أو ولده كي يصبر ويحتسب لأن
الصبر من منازل المؤمنين بالله المتقين لجلاله كما أخبر بذلك المصطفي ـ صلي الله
عليه وسلم‏.‏

ثانيا‏:‏ ذكر أيوب ـ عليه السلام ـ في السنة النبوية
المطهرة‏:‏
عن أنس بن مالك أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال‏:‏ إن نبي الله
أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة‏,‏ فرفضه القريب والبعيد‏,‏ إلا رجلين من إخوانه
كانا من أخص إخوانه له‏,‏ كانا يغدوان إليه ويروحان‏,‏ فقال أحدهما لصاحبه‏:‏ تعلم
والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين‏,‏ قال له صاحبه‏:‏ وما ذاك؟
قال‏:‏ منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه ربه فيكشف ما به‏.‏ فلما راحا إليه لم يصبر
الرجل حتى ذكر ذلك له‏,‏ فقال أيوب‏:‏ لا أدري ما تقول؟ غير أن الله ـ عز وجل ـ
يعلم أني كنت أمر علي الرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجع إلي بيتي فأكفر عنهما‏,‏
كراهة أن يذكر الله إلا في حق‏;‏ وقال صلي الله عليه وسلم‏:‏ وكان أيوب يخرج في
حاجته‏,‏ فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتي يرجع‏.‏ فلما كان ذات يوم أبطأت امرأته
عليه‏,‏ فأوحي الله إلي أيوب في مكانه أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب
فاستبطأته امرأته فتلقته تنظر‏,وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء‏,‏ وهو
علي أحسن ما كان‏,‏ فلما رأته قالت‏:‏ أي بارك الله فيك‏!‏ هل رأيت نبي الله هذا
المبتلي؟ فو الله القدير علي ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا‏,‏ قال‏:‏
فإني أنا هو‏.‏
وقل صلي الله عليه وسلم عن نبي الله أيوب‏:‏ وكان له أندران‏,‏
أندر للقمح وأندر للشعير‏,‏ فبعث الله سحابتين‏,‏ فلما كانت إحداهما علي أندر القمح
أفرغت عليه الذهب حتي فاض‏,‏ وأفرغت الأخري في أندر الشعير الورق‏(‏ أي الفضة‏)‏
حتي فاض‏(‏ السلسلة الصحيحة للألباني ـ ج‏17).‏
وقصة نبي الله أيوب ـ عليه
السلام ـ هي من نماذج الصبر علي الابتلاء الذي يقدره الله ـ تعالي ـ علي عبد من
عباده فيصبر ويحتسب‏,‏ ويكون العطاء الوافر في الدنيا وفي الآخرة هو جزاء الصبر
والاحتساب‏.‏ وقد طال صبر أيوب علي الابتلاء بغير تضرر ولا ضجر حتي لأصبح يضرب
بصبره المثل‏,‏ وأصبحت قصة صبر أيوب علي كل لسان‏,‏ إلا أن القصة قد شابها حتي تم
تشويهها بالكامل‏,‏ وأصبحت ضربا من القصص الشعبي‏,‏ من الإسرائيليات ما شابها‏,‏
والحق من هذه القصة هو ما جاء عنها في كتاب الله ـ تعالي ـ وفي سنة خاتم أنبيائه
ورسله صلي الله عليه وسلم‏,‏ كما عرضناه في الآيات القرآنية الكريمة التي تم
الاستشهاد بها أعلاه‏,‏ وفي الحديث النبوي الشريف الذي ذكرناه آنفا‏.‏ وخلاصة ذلك
أن أيوب ـ عليه السلام ـ كان عبدا من عباد الله الصالحين‏,‏ وقد ابتلاه الله ـ
تعالي ـ في عافيته وولده وماله فصبر صبرا جميلا‏,‏ وبقي واثقا في ربه‏,‏ راضيا
بقضائه‏,‏ محتسبا لابتلائه‏,‏ وكان الشيطان يوسوس لزوجته ولعدد من خلصائه القلائل
الذين بقوا علي وفائهم له بأن الله ـ تعالي ـ لو كان راضيا عن عبده أيوب ما ابتلاه
هذا الابتلاء الذي طال لقرابة العشرين عاما‏,‏ وكان بعض هؤلاء الخلصاء ي
سرون
إلي أيوب بذلك فتؤذيه أقوالهم في نفسه أشد ما يؤذيه المرض وغيره من صور الابتلاء
لأنه كان يعلم أن ذلك من وساوس الشيطان إلي البقية الباقية من خلصائه حتي ينصرفوا
عنه‏.‏

ولما تكاثرت أحاديث خلصائه عليه توجه إلي ربه بالشكوي مما يلقي من
إيذاء الشيطان‏,‏ ومن نفثه في آذان من بقي حوله من أهله وأصدقائه فقال‏:[...‏ أني
مسني الشيطان بنصب وعذاب‏]‏ فاستجاب الله دعوته‏,‏ وأدركه برحمته‏,‏ فأنهي
ابتلاءه‏,‏ ورد عليه عافيته وأهله وماله‏.‏
وفي ذلك تأكيد علي رحمة الله وفضله
علي عباده الصالحين الذين يعرضهم لشيء من الابتلاء فيصبرون ويحتسبون رضا بقضاء الله
وقدره‏,‏ ويقينا بأنه الخير كل الخير‏,‏ وذلك انطلاقا من قول رسول الله صلي الله
عليه وسلم‏:‏ أشد الناس بلاء الأنبياء‏,‏ ثم الصالحون‏,‏ ثم الأمثل فالأمثل وقال‏:‏
يبتلي الرجل علي حسب دينه‏,‏ فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه‏(‏ صحيح
الجامع‏/992,‏ السلسلة الصحيحة للألباني‏/‏ ح‏145,144,143).‏ ولذلك عقب القرآن
الكريم علي قصة نبي الله أيوب بقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:[...‏ إنا وجدناه صابرا
نعم العبد إنه أواب‏].‏
وذلك الإنعام من الله ـ تعالي ـ علي عبده ونبيه أيوب كان
جزاء وافرا علي صبره علي البلاء الذي لم يقنطه من رحمة ربه‏,‏ ولم يوقفه عن حسن
الالتجاء إلي الله ليكون في ذلك درسا لغيره من عباد الله الصالحين‏,‏ وعبرة وعظة
للمعتبرين‏.‏

ثالثا‏:‏ ومضة الإعجاز التاريخي في الآية الكريمة‏:‏

يذكر كل من علماء التفسير وتاريخ الأديان أن أيوب ـ عليه السلام ـ
كان من ذرية إسحاق بن إبراهيم ـ عليهما من الله السلام ـ وأنه كان عبدا صالحا من
الله ـ تعالي ـ عليه بالعافية والأهل والمال‏,‏ ثم ابتلاه بسلب ذلك كله منه‏,‏ وظل
محتسبا وصابرا ثمانية عشر عاما حتي رد الله ـ تعالي ـ إليه كل من كان قد سلب منه في
فترة الابتلاء والاختبار‏,‏ وعاد أصح عافية‏,‏ وأغني بالأهل والمال مما كان عليه‏,‏
وبذلك جعله ربنا ـ تبارك وتعالي ـ مثلا للصابرين المحتسبين‏,‏ ودرسا لغيره من
المعتبرين‏,‏ وذلك لأن الابتلاء هو من سنن الحياة الدنيا‏,‏ والصبر علي الابتلاء هو
من شيم أصحاب الدعوات من عباد الله الصالحين عبر التاريخ‏,‏ وسيظل كذلك حتي قيام
الساعة والله ـ تعالي ـ قد جعل النصر مع الصبر‏,‏ وجعل عاقبة الصابرين الفوز المبين
في الدنيا قبل الآخرة‏,‏ وما عند الله خير وأبقي‏,‏ وبذلك الفهم يهون الابتلاء ـ
مهما عظم ـ علي كل قلب عامر بالإيمان بالله‏,‏ مؤمن بقضائه وقدره‏,‏ موقن بأنه
الخير كل الخير‏,‏ وأن عاقبته الخير‏,‏ وإن بدا لأعين الناس غير ذلك‏,‏ وهذا هو
الدرس المستفاد من قصة نبي الله أيوب ـ عليه السلام ـ في القرآن
الكريم‏.‏

ويذكر علماء كل من التفسير وتاريخ الأديان أن نبي الله أيوب ـ
عليه السلام ـ عاش في منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد‏(‏ في حدود‏1600‏ ـ‏1500‏
ق‏.‏م‏),‏ وأن خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ بعث في أوائل
القرن السابع الميلادي‏,‏ وعلي ذلك فالفارق الزمني بين هذين النبيين الكريمين يفوق
الألفي عام‏,‏ وأن خاتم النبيين صلي الله عليه وسلم كان أميا لا يعرف القراءة
والكتابة حتي لا يتهمه أحد بأنه نقل القصص القرآني عن كتب الأولين‏,‏ وهو صلي الله
عليه وسلم لم يزر أرض حوران التي يقال إنها كانت بلاد أيوب ـ عليه السلام ـ ومن هنا
فإن الإشارة إلي قصة هذا النبي في القرآن الكريم‏,‏ هي من المعجزات التاريخية في
كتاب الله‏,‏ وإن جاءت في الأصل مواساة لرسول الله صلي الله عليه وسلم وللذين آمنوا
معه في وقت ابتلائهم بمظالم مشركي وكفار مكة‏,‏ ومواساة لكل داعية إلي دين الله
يتعرض لظلم الطغاة المتجبرين من الحكام الظالمين في كل زمان ومكان إلي يوم الدين‏,‏
وذلك لأنه لم يكن لأحد من أهل الجزيرة العربية إلمام بقصة نبي الله أيوب في زمن
الوحي‏.‏
وتأتي القصة ـ علي عادة القرآن الكريم ـ بالدروس والعبر المستفادة
منها‏,‏ لا من قبيل السرد التاريخي المجرد‏,‏ لأن القرآن الكريم هو كتاب هداية ـ
وليس كتاب تاريخ‏,‏ ولكن بما أنه كلام رب العالمين في صفائه الرباني فإن كل حرف‏,‏
وكلمة‏,‏ وآية‏,‏ وسورة منه تأتي بالحق المبين في أي مجال تتعرض له‏,‏ علي تعدد
مجالاته وتشعبها‏.‏
القصة ـ كغيرها من قصص القرآن الكريم ـ تبرز كوجه من أوجه
الإعجاز التاريخي في كتاب الله يشهد لهذا الكتاب العزيز بأنه لا يمكن أن يكون صناعة
بشرية بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه
بعهده الذي قطعه علي ذاته العلية‏,‏ في نفس لغة وحيه‏(‏ اللغة العربية‏),‏ وحفظه
علي مدي أربعة عشر قرنا ويزيد‏,‏ وتعهد بهذا الحفظ تعهدا مطلقا حتي يبقي القرآن
الكريم شاهدا علي الخلق أجمعين إلي يوم الدين‏.‏ فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏
والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام ـ صلي الله عليه
وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين ـ وآخر
دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://activinspire.ahlamontada.net
نبيلة محمود خليل
مديرة موقع رحماك ربى
مديرة موقع رحماك ربى
avatar

انثى عدد المساهمات : 1427
تاريخ التسجيل : 29/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: الإعـجاز التاريخـي مع نبيلة ونبيل الإعـجاز التاريخـي    الجمعة يناير 04, 2013 1:10 pm

حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ
كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ
وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40].



هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في خواتيم الثلث الأول من سورة "هود"،
وهي سورة مكية، وآياتها مائة وثلاث وعشرون (123) بعد البسلمة، وقد سميت
باسم نبي الله هود - عليه السلام - ويدور المحور الرئيس لها حول قضية العقيدة
الإسلامية، شأنها في ذلك شأن كل السور المكية.
هذا، وقد سبق لنا استعراض سورة "هود"، وما جاء فيها من ركائز العقيدة،
ومن قصص عدد من أنبياء الله، ومن الإشارات الكونية، ونركز هنا على ومضتي الإعجاز
العلمي والإنبائي في الآية التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال.


من أوجه الإعجاز العلمي والإنبائي في الآية
الكريمة:
أولاً: من أوجه الإعجاز العلمي:
في شرح قول ربنا - تبارك وتعالى -:
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا...﴾
قال علماء التفسير: أي حين صدر أمرنا بنزول العذاب بكفار قوم نوح،
﴿ ... وَفَارَ التَّنُّورُ ...﴾
أي: نبع الماء منه على هيئة البخار وارتفع بشدة؛ كما تفور القدر عند
غليانها، وكان ذلك علامة لنبي الله نوح - عليه السلام - على بدء وقوع الطوفان الذي
وعده به الله - سبحانه وتعالى - إغراقاً للكفار العاصين من قومه، الذين جحدوا
دعوته، وتطاولوا عليه، وسخروا منه.
وقيل في لفظة (التنور) أنه هو الكانون أو تنور الخبز الذي يخبز فيه؛
وقيل هو وجه الأرض، وأعلاها، وأشرفها، واللفظة عربية، وإن قيل بأنها
معربة.
ومعنى الآية الكريمة: حتى إذا جاء وقت أمرنا بإهلاك الكافرين من قوم
نوح، وفار التنور دافعاً بخار الماء بقوة، قلنا لنوح احمل معك في السفينة زوجين من
كل نوع من أنواع الأحياء المتاحة لك ذكراً وأنثى، واحمل فيها كلاً من أهل بيتك إلا
من سبق عليه الحكم بالإغراق، وكل من آمن من قومك، ولم يكونوا إلا قلة
قليلة.
وواضح الأمر أن المقصود بتعبير (التنور) هنا هو البركان الذي خرج منه
بخار الماء بكميات كبيرة وارتفع في نطاق المناخ من الغلاف الغازي للأرض، وقد هيأ
الخالق - سبحانه وتعالى - فيه طبقة باردة فتكثف فيها ليعود إلى الأرض سيولاً جارفة
في بحر متلاطم الأمواج أغرق كفار قوم نوح جميعاً وارتفعت فيه سفينة نوح حتى رست على
جبل الجودي(قرابة ألفين متر فوق مستوى سطح البحر).
ومن الثابت علمياً أن كل ماء الأرض المقدر بحوالي (1400) مليون كيلومتر
مكعب قد أخرجه ربنا تبارك وتعالى من داخل الأرض عن طريق ثورة البراكين، ولذلك قال
وقوله الحق:
﴿
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا
وَمَرْعَاهَا
[النازعات: 30،31].


ولذلك قال – تعالى - أيضاً بعد أن تم إغراق كفار قوم نوح:
﴿
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ
الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا
لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
[هود: 44].
ونسبة الماء إلى الأرض هنا من المعجزات العلمية في
القرآن الكريم لأن هذه الحقيقة لم تعرف إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين؛
ومن هنا تأتي ومضة الإعجاز العلمي في الربط بين ثورة البركان (التنور) وإغراق أرض
قوم نوح بطوفان الماء، خاصة وأنه ثبت علمياً أن أكثر من (70%) من مكونات الغازات
والأبخرة المتصاعدة من فوهات بعض البراكين هو بخار الماء التي سرعان ما تتكثف في
نطاق المناخ ويعود إلى الأرض مطراً.
وتشير الآيات القرآنية الكريمة إلى اشتراك عيون الأرض المتفجرة في إحداث
طوفان نوح وذلك بقول ربنا تبارك وتعالى:
﴿
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا
مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ *
فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ
عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى
ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ *
وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي
وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ
مُدَّكِر
ٍ
[القمر: 9-17].
وكثيراً ما تصاحب الثورات البركانية بشيء من الهزات الأرضية الشديدة
التي تحرك الماء المجتمع فوق سطح الأرض في تيارات بحرية عنيفة هي التي رفعت سفينة
نوح إلى قمة جبل الجودي على ارتفاع سبعة آلاف قدم (حوالي ألفي متر) فوق مستوى سطح
البحر ولذلك قال تعالى:
﴿ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا
إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ
وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا
تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي
[هود: 41-43].
وربما لعبت هذه الهزات الأرضية دوراً في تفجير عيون الأرض بالماء
المتدفق من مخزونه في كل من تربة الأرض وصخورها ليشارك هطول الأمطار في إغراق
الخاطئين المجرمين من قوم نوح. وهذا يؤكد حقيقة أن طوفان نوح كان إغراقاً للكافرين
من قومه بالماء العذب، وعلى الرغم من ذلك يأتي إثنان من علماء فيزياء الأرض وهما
الأمريكيان وليام ريان، وزميله والتر بتمان

(
William Ryan & Walter Pitman)
لينشرا كتاباً في سنة 1998م بعنوان "طوفان نوح: الاكتشافات العلمية
الجديدة عن الحدث الذي غير مجرى التاريخ".



New Scientific
William Ryan & Walter Pitman (1998): Noahs Flood: Discoveries About
the Event that Changed History , Simon Schuster, New York, ny10020, pp.
1-319.

وفي هذا الكتاب يزعم الكاتبان بأن الطوفان كان بماء البحر فوق بحيرة من
الماء العذب، وأنه كان حدثاً طبيعياً لا علاقة له بما جاء من أخبار قوم نوح في
العهد القديم، ومن ثم فقد أنكرا الواقعة إنكاراً تاماً.
ويذكر هذان الكاتبان أن
هذا الطغيان البحري الذي أشارا إليه كان قد وقع قبل (7600) سنة حين أدى ارتفاع
منسوب المياه في البحار والمحيطات إلى اندفاع هذا الماء المالح من البحر الأبيض
المتوسط عبر وادي البوسفور ليدمر كل شيء مر به، وليؤدي إلى عدد من الهجرات البشرية
الكبيرة.
ولكن مما ينفي مزاعم هذين الكاتبين اكتشاف بقايا سفينة نوح - عليه
السلام - مطمورة وسط رسوبيات للماء العذب فوق قمة "جبل الجودي" في الجزء الجنوبي
الشرقي من تركيا، وإثبات امتداد هذه الرسوبيات من جنوب شرق تركيا إلى رأس الخليج
العربي، مروراً بما بين النهرين دجلة والفرات.
وتؤكد هذه الكشوف أن الطوفان كان
بالماء العذب الذي هطلت به الأمطار الشديدة، وتفجرت عنه عيون الأرض كما جاء بالقرآن
الكريم من قبل ألف وأربعمائة سنة، وأن الحدث وقع عقاباً لقوم نوح في هذه المنطقة
فقط، ولم يشمل كل الأرض، ولم يقض على جميع صور الحياة الأرضية كما جاء في العهد
القديم (سفر التكوين: 6-9).


ثانياً: من أوجه الإعجاز الإنبائي:

على الرغم من ضخامة حدث "طوفان نوح"، وعلى ضرورة بقائه عالقاً في
الأذهان، ولو من قبيل التراث الشعبي الذي يحمله الناس شفاها من الأجداد إلى
الأحفاد، ومن الآباء إلى الأبناء، إلا أن أهل الأرض جميعاً ومنهم العرب في زمن
الجاهلية كانوا قد فقدوا الصلة تماماً بوحي السماء، وشاع بينهم العديد من صور الكفر
والشرك والضلال.
من هنا يأتي ذكر نبي الله نوح - عليه السلام - في ثلاثة وأربعين موضعاً
من كتاب الله، كما تأتي تفاصيل قصته مع قومه حتى تم القضاء عليهم بالطوفان في عشرات
من الآيات التي جاءت في ثمان وعشرين سورة من سور القرآن الكريم، وتأتي تسمية إحدى
سور هذا الكتاب العزيز باسم نبي الله نوح - عليه السلام - وهي السورة الحادية
والسبعون في ترتيب سورة المصحف الشريف، يأتي ذلك كله وجهاً من أوجه الإعجاز
الإنبائي في كتاب الله، ولذلك فإن الله – تعالى- قال تعالى يوجه الخطاب إلى خاتم
أنبيائه - صلى الله عليه وسلم - قائلاً له:

﴿
تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ
تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ
لِلْمُتَّقِينَ﴾
[هود: 49].
ولا يقلل من إعجاز ذلك ورود شيء عن قصة نبي الله نوح - عليه السلام - في
سفر التكوين من العهد القديم (6-9) لأن الرواية هنا جاءت مشوهة مبتورة، مليئة
بالأخطاء في حق الله -تعالى- ، كما جاءت مليئة بالأخطاء العلمية والتاريخية
المجافية للمنطق مجافاة كاملة، لأن فيها إشارة إلى أن الله – تعالى- توعد الأرض ومن
عليها بالدمار وهذا لم يحدث، وأن نوحاً عليه السلام كان عمره ستمائة سنة حين وقع
الطوفان، والقرآن الكريم يقرر أنه عاش بين قومه تسعمائة وخمسين سنة
﴿
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ
سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ *
فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً
لِلْعَالَمِينَ
[العنكبوت: 14-15].
كذلك جاء في العهد القديم أن أبعاد السفينة كان 450 × 75 × 45 قدماً،
وبقايا السفينة التي عثر عليها على جبل الجودي توحي بأنها كانت أصغر من ذلك بكثير.
وتذكر رواية العهد القديم أن نوحاً - عليه السلام - حمل معه على السفينة أزواجاً من
كل أنواع الحياة البرية والداجنة، ومن جميع كائنات الأرض، وهذا أمر
مستحيل.
كذلك تشير رواية العهد القديم إلى أن الطوفان استمر لمائة خمسين يوماً
غامراً جميع الأرض بما في ذلك كل قمم الجبال التي تغطت بمياه الطوفان بسمك يزيد على
عشرين قدماً، وهذه استحالة علمية. وأشارت رواية العهد القديم إلى أن سفينة نوح
استقرت على جبل أرارات (أراراط أو أغرى داج) وقد اكتشفت بقايا السفينة على "جبل
الجودي" الذي يقع على بعد (250) ميلاً إلى الجنوب من جبل "أرارات"، في جنوب شرقي
تركيا بالقرب من حدودها مع كل من العراق وسوريا إلى الشمال من مدينة
الموصل.
ومن المعروف أن جبل "أرارات" يوجد في أقصى الشمال الشرقي من تركيا على
حدود أرمينيا، وهو كتلة بركانية بها أعلى قمتين في تركيا ترتفع إحداهما إلى (5185)
متراً فوق مستوى سطح البحر بينما ترتفع الأخرى إلى 3093 متراً.
ففي منتصف شهر مايو من سنة 1948م اكتشف أحد رعاة الغنم الأتراك واسمه
رشيد سرحان
(Reshit
Sarihan
)
بقايا من أخشاب سفينة نوح - عليه السلام - في قمة "جبل الجودي"
(Mount Judi or
Cudi Dagh
)
وعلى إثر هذا الاكتشاف تتابعت دراسات الموقع إلى وقتنا الراهن، وتم
إصدار العديد من النشرات عنه من أمثال أعمال كل من مارتن روى
(Martin Wroe,
1994
)
، تشارلين ويلليس
(Charles
Willis, 1980
)
، وجون وارويك مونتجومري
(John Warwick
Montegomry
)
في السبعينيات من القرن العشرين، والتي أثبتت جميعها صدق الاكتشاف وقد
أعطت البقايا الخشبية للسفينة المكتشفة عمراً مطلقاً في حدود (4500) سنة قبل
الميلاد وذلك باستخدام طريقة الكربون المشع كما أعلن مارتن روى بجريدة الأوبزرفر
اللندنية بتاريخ (16/1/1994م).
وعلى الرغم من ذلك، ومن إخبار القرآن الكريم برسو السفينة على "جبل
الجودي"، ومن وجود بعض الكتابات التاريخية القديمة التي تم اكتشافها مؤخراً والتي
تسجل ذلك من مثل كتابات كل من "بيراسوس"
(Berasus)
وهو من كهان الحضارة البابلية، و"أبيدينوس"
(Abydenus)
وهو من تلامذة سقراط، ومن رموز الحضارة اليونانية القديمة، فقد ظلت
محاولات الغربيين مستميتة في إثبات رسو سفينة نوح على جبل أرارات (اراراط أو أغرى
داج) حتى أعلنت مجموعة من العلماء الروس بتاريخ (25/3/2005م) في مؤتمر صحفي نقلته
وكالة إنترفاكس للأنباء
(The Interfax
News Agency
)
أنه لا توجد أية آثار لسفينة نوح على "جبل أرارات"، وأن جميع العينات
التي درست تؤكد ذلك، كما أكدته دراسات فادين تشيرنوبورف
(Vadin
Chernoborv
)
الذي أوفد مجموعة العلماء هذه للقيام بتلك الدراسة.
من ذلك يتضح جانب الإعجاز الإنبائي في استعراض القرآن الكريم لقصة نبي
الله نوح - عليه السلام - مع قومه، والتي لخصتها الآية التي اتخذناها عنواناً لهذا
المقال. فالحمد لله على نعمة الإسلام، والحمد لله على نعمة القرآن، والحمد لله على
بعثة خير الأنام - صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا
بدعوته إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://activinspire.ahlamontada.net
نبيلة محمود خليل
مديرة موقع رحماك ربى
مديرة موقع رحماك ربى
avatar

انثى عدد المساهمات : 1427
تاريخ التسجيل : 29/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: الإعـجاز التاريخـي مع نبيلة ونبيل الإعـجاز التاريخـي    الجمعة يناير 04, 2013 1:11 pm

﴿ وَإِذْ قُلْنَا
لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ
وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ ﴾‏[‏البقرة‏:34]


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في بداية العشر الثاني من سورة
البقرة‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها مئتان وست وثمانون‏(286)‏ بعد البسملة‏,‏ وهي
أطول سور القرآن الكريم علي الإطلاق‏,‏ ويدور محورها الرئيسي حول قضية التشريع الإسلامي‏.‏
هذا‏,‏ وقد
سبق لنا استعراض سورة البقرة‏,‏ وما جاء فيها من تشريعات‏,‏ وعقائد‏,‏ وأخبار‏,‏
وقصص‏,‏ وقواعد أخلاقية وسلوكية‏,‏ وإشارات كونية‏,‏ ونركز هنا علي وجه الإعجاز
الإنبائي في الأخبار عن الأمر الإلهي للملائكة بالسجود لأبينا آدم ـ عليه السلام
ـ‏,‏ وهو حدث لم يشهده أي من بني آدم‏,‏ ولم يكن لأهل الجزيرة العربية إلمام به في
زمن الوحي‏.‏



من أوجه الإعجاز الإنبائي في الآية الكريمة‏:‏
يقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏ ‏
﴿ وَإِذْ
قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ
أَبَى
وَاسْتَكْبَرَ
وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ
‏[‏البقرة‏:34]‏
.

والأمر الإلهي إلي الملائكة بالسجود لأبينا آدم ـ عليه السلام ـ هو
تأكيد تكريم الله ـ تعالي ـ للإنسان في شخص أبينا آدم ـ عليه السلام ـ الذي كان
يحمل جميع ذريته في صلبه لحظة خلقه‏.‏
والسر في هذا التكريم هو ذلك العلم الوهبي
الذي من الله ـ تعالي ـ به علي أبينا آدم‏,‏ وتلك الإرادة الحرة التي وهبها إياه‏,‏
ومقام النبوة الذي حمله أمانة التبليغ عن الله‏,‏ كما حمله لسلسلة طويلة من
الأنبياء من ذرية آدم‏,‏ ولعدد من الصالحين من تلك الذرية التي كرمها ربنا ـ تبارك
وتعالي ـ وفضلها علي كثير ممن خلق تفضيلا‏,‏ وذلك بقوله العزيز‏:‏
﴿ وَلَقَدْ
كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ

وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ
وَالْبَحْرِ
وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً

‏[‏ الإسراء‏:70].‏
ولقد سجد الملائكة أجمعون امتثالا لأمر الله ـ
تعالي ـ‏,‏ و‏(‏السجود‏)‏ لغة هو التذلل والخضوع مع انخفاض بانحناء وغيره من صور
الخضوع‏,‏ و‏(‏السجود‏)‏ في الشرع هو وضع الجبهة علي الأرض بقصد الخضوع بالعبادة
لله ـ تعالي ـ وهذا لا يكون أبدا لغير الله‏.‏ أما سجود الملائكة لأبينا آدم ـ عليه
السلام ـ فقد كان صورة من صور إظهار التكريم والاحترام‏,‏ وتقديم التحية الواجبة
دون وضع الجباه علي الأرض‏,‏ وهو لا يكون لغير الله كما ذكرنا‏,‏ وذلك للمخلوق الذي
كرمه الله‏,‏ إقرارا بالمقام الذي رفعه إليه خالقه ـ سبحانه وتعالي ـ‏.‏
وتستمر
الآية الكريمة في الإشارة إلي وجود إبليس اللعين مع الملائكة ـ دون أن يكون منهم ـ
فتقول‏:‏
﴿ وَإِذْ
قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ
أَبَى
وَاسْتَكْبَرَ
وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ
‏[‏البقرة‏:34]‏
.

والسياق القرآني هنا واضح الدلالة بأن إبليس لم يكن من الملائكة‏,‏
إنما كان حاضرا معهم وقت هذه الواقعة‏,‏ لأنه لو كان من جنس الملائكة ما عصي أمر
الله ـ تعالي ـ أبدا‏,‏ وذلك لأن من صفات الملائكة أنهم

﴿...لاَّ
يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ

وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ
‏[‏ التحريم‏:6].‏
والاستثناء في الآية الكريمة لا يدل علي أن إبليس
كان من جنس الملائكة‏,‏ لأن مجرد وجوده معهم يجيز هذا الاستثناء‏,‏ خاصة أن سورة
الكهف تؤكد أنه

﴿... كَانَ مِنَ
الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
...﴾
[‏ الكهف‏:50].‏
والله ـ تعالي ـ خلق الملائكة من النور‏,‏ وخلق
الجان من النار‏,‏ لقوله سبحانه
﴿...وَخَلَقَ
الجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ
...﴾
‏ [‏ الرحمن‏:15].‏
والاسم‏(‏ إبليس‏)‏ مشتق من‏(‏ الإبلاس‏)‏ وهو
الحزن الناشئ عن شدة اليأس‏,‏ وفعله‏(‏ أبلس‏)‏ بمعني بئس إلي حد القنوط‏,‏ لأن
إبليس مطرود طردا مطلقا من رحمة الله‏,‏ ولا أمل له في مغفرة أو توبة‏,‏ ولذلك يئس
من ذلك ومن هنا جاء اسمه‏.‏
وواقعة أمر الملائكة بالسجود لأبينا آدم ـ عليه
السلام ـ وتحقق سجودهم‏,‏ مع رفض إبليس اللعين‏,‏ لذلك جاءت الإشارة إليها في سبع
من سور القرآن الكريم علي النحو التالي‏:‏
‏1‏ ـ
﴿ وَإِذْ
قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ
أَبَى
وَاسْتَكْبَرَ
وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ
‏[‏البقرة‏:34]‏
.

‏2‏ ـ
﴿ وَلَقَدْ
خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ
فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ *


قَالَ مَا
مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي
مِن نَّارٍ
وَخَلَقْتَهُ
مِن طِينٍ
‏[‏ الأعراف‏:12,11].‏
‏3‏ ـ
﴿ وَإِذْ
قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ

إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ *
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ

وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ
المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ
السَّاجِدِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ *
قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ
مَّسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ
اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ
يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الوَقْتِ
المَعْلُومِ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي
الأَرْضِ
وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ
المُخْلَصِينَ
‏[‏ الحجر‏:28‏ ـ‏40].‏
‏4‏ ـ
﴿ وَإِذْ
قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ
أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ
عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ
إِلاَّ قَلِيلاً * قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ
جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم
بِصَوْتِكَ
وَأَجْلِبْ
عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ

وَرَجِلِكَ
وَشَارِكْهُمْ فِي
الأَمْوَالِ
وَالأَوْلادِ
وَعِدْهُمْ
وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ
لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ

وَكَفَى بِرَبِّكَ
وَكِيلاً
‏[‏ الإسراء‏:61‏ ـ‏65].‏
‏5‏ ـ
﴿ وَإِذْ
قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ
الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ
وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ
لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً
‏[‏الكهف‏:50].‏
‏6‏ ـ
﴿ وَإِذْ
قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى *
فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ
وَلِزَوْجِكَ
فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ
فِيهَا
وَلاَ تَعْرَى *
وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا

وَلاَ تَضْحَى *
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ
الخُلْدِ
وَمُلْكٍ
لاَّ يَبْلَى * فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا
وَطَفِقَا
يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن

وَرَقِ الجَنَّةِ
وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ
عَلَيْهِ
وَهَدَى
‏ ‏[‏ طه‏:116‏ ـ‏122].‏
‏7‏ ـ
﴿ إِذْ قَالَ
رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ * فَإِذَا
سَوَّيْتُهُ
وَنَفَخْتُ
فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ
أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ
وَكَانَ مِنَ
الكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ
بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ
خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ

وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ *
وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي
إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ
الوَقْتِ المَعْلُومِ * قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ
عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ
‏[‏ ص‏:71‏ ـ‏80].
وهذه الآيات القرآنية الكريمة توضح طبيعة المعركة
بين الشيطان والإنسان‏,‏ تلك المعركة التي هي جزء من ابتلاء الإنسان باستخلافه في
الأرض‏,‏ بعد أن زوده الله ـ تعالي ـ بالعدة اللازمة للانتصار في تلك المعركة من
العلم‏,‏ والعقل‏,‏ والإرادة الحرة‏,‏ إذا أحسن توظيفها‏,‏ خاصة أن الشيطان كان قد
توعده بالغواية‏,‏ وأن الله ـ تعالي ـ ترك للإنسان الباب مفتوحا للتوبة والإنابة‏,‏
ويسر له الالتزام بالهداية الربانية التي أنزلها علي سلسلة طويلة من الأنبياء
والمرسلين‏,‏ ثم أتمها وأكملها وحفظها في القرآن الكريم‏,‏ وفي سنة سيد المرسلين
صلي الله عليه وسلم‏,‏ ولذلك قال ربنا ـ عز من قائل ـ‏:‏
﴿
فَمَنِ
اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ

وَلاَ يَشْقَى *
وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً
وَنَحْشُرُهُ
يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي
أَعْمَى
وَقَدْ كُنتُ
بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا
وَكَذَلِكَ
اليَوْمَ تُنسَى
‏[‏ طه‏:123‏ ـ‏126].‏
وهذه الواقعة المتجسدة في الأمر الإلهي إلي
الملائكة بالسجود لأبينا آدم ـ عليه السلام ـ وهو في الجنة‏,‏ وتحقق سجودهم أجمعين
له‏,‏ ورفض إبليس اللعين السجود له استعلاء وكبرا‏,‏ بدعوي أنه أفضل من آدم لخلقه
من نار وخلق أبينا آدم من طين‏,‏ ثم طرد إبليس من الجنة‏,‏ وتوعده لآدم ولذريته
بالغواية‏,‏ حتى غواه وهو في الجنة فعصي آدم ربه‏,‏ ثم تاب وندم‏,‏ وقبل الله ـ
تعالي ـ توبته‏,‏ وعلي الرغم من ذلك أخرجه الله وزوجته من الجنة‏,‏ ليبدأ الصراع
الحقيقي بينهما وذريتهما‏(‏ من جهة‏),‏ وبين الشيطان وجنوده وأعوانه‏(‏ من جهة
أخري‏),‏ وهو من طبيعة الاستخلاف في الأرض‏.‏ كل ذلك من أمور الغيب المطلق الذي لم
يشهده أي من ذرية آدم‏,‏ وإيراد القرآن الكريم تلك الواقعة بهذا التفصيل حتى يعي كل
فرد من أبناء وبنات آدم طبيعة العدو المترصد له بالفتنة والغواية‏,‏فيتعلم كل منهم
كيف يوصد الباب دونه‏,‏ ويقاوم كل محاولات الشيطان لإخراج الإنسان عن النهج القويم
الذي وضعه ربنا ـ تبارك وتعالي ـ له طيلة وجوده في هذه الحياة الدنيا‏,‏ فإن غلبه
الشيطان في لحظة ضعف‏,‏ فإن باب التوبة مفتوح لا يغلق حتى يغرغر الإنسان‏,‏ وهذا هو
الدرس الأساسي من وراء إيراد تلك لواقعة‏.‏
وأمر الله ـ سبحانه وتعالي ـ
للملائكة بالسجود لأبينا آدم ـ عليه السلام ـ‏,‏ وتحقق ذلك‏,‏ وعصيان إبليس الأمر
الإلهي وطرده من الجنة‏,‏ وإغواؤه لأبوينا آدم وحواء بالأكل من الشجرة المحرمة‏,‏
وإخراجهما من الجنة‏,‏ ثم توبتهما‏,‏ وقبول الله ـ تعالي ـ تلك التوبة‏,‏ كل ذلك لم
يكن معلوما لأهل الجزيرة العربية‏,‏ ولا لأحد من الخلق في زمن الوحي‏,‏ لأن أهل
الأرض جميعا كانوا قد فقدوا أصول الدين وابتدعوا فيه ابتداعا مخلا‏,‏ أو انصرفوا
عنه انصرافا كليا‏.‏
فأهل الجزيرة العربية كانوا قد فقدوا الصلة برسالة كل من
نبي الله إبراهيم‏,‏ وولده نبي الله إسماعيل ـ عليهما السلام ـ فعبدوا الأصنام
والأوثان‏,‏ والنجوم والكواكب‏.‏
وفي الدول المجاورة شرقا انتشر العديد من
الديانات الوضعية كالمجوسية‏,‏ والزرادشتية‏,‏ والمانوية‏,‏ والمزدكية‏,‏
والصابئة‏,‏ والدهرية‏,‏ التي كانت قد ابتدعت في الدين ما لم ينزل به الله
سلطانا‏.‏
ولذلك لم يجد في تصحيح معتقدات العرب وجود بعض الجيوب من اليهود
والنصاري علي أطراف الجزيرة العربية الشمالية والشمالية الغربية‏,‏ والجنوبية
الغربية‏,‏ فهؤلاء كانوا في جملتهم من الأميين الذين لجأوا إلي الجزيرة العربية
هروبا من اضطهاد كل من الفرس والروم‏,‏ فكل من المناذرة والغساسنة كانوا عربا من
أصول يمانية هاجروا إلي كل من شمال الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق في القرن
الثالث الميلادي بعد انهيار سد مأرب‏,‏ وكانوا قد تنصروا‏,‏ ويهود كل من خيبر ويثرب
واليمن كانوا من بقايا الذين فروا من اضطهاد كل من الروم والفرس‏,‏ ولم يجدوا ملجأ
لهم إلا في أراضي شبه الجزيرة العربية‏,‏ وأغلب هؤلاء كانوا من العوام الذين لم
تتوافر لهم أية ثقافة دينية‏.‏
وانطلاقا من هذا العهد الإلهي الذي قطعه ربنا ـ
تبارك وتعالي ـ علي ذاته العلية فستظل هذه الرسالة الخاتمة محفوظة بحفظ الله إلي ما
شاء الله‏,‏ لتبقي حجة الله علي خلقه إلي يوم الدين‏,‏ وشهادة بنبوة خاتم المرسلين
ـ صلي الله عليه وسلم ـ فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة
القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام‏..‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين‏.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://activinspire.ahlamontada.net
نبيلة محمود خليل
مديرة موقع رحماك ربى
مديرة موقع رحماك ربى
avatar

انثى عدد المساهمات : 1427
تاريخ التسجيل : 29/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: الإعـجاز التاريخـي مع نبيلة ونبيل الإعـجاز التاريخـي    الجمعة يناير 04, 2013 1:11 pm

﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ
نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ... ﴾ [‏ المائدة‏:27]


هذا النص القرآني الكريم جاء في خواتم الربع الأول من سورة المائدة‏,‏
وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها مائة وعشرون‏(120)‏ بعد البسملة‏,‏ وهي من طوال سور
القرآن الكريم‏,‏ ومن أواخرها نزولا‏,‏ فقد نزلت بعد صلح الحديبية‏,‏ أي في السنة
السادسة من الهجرة
النبوية الشريفة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي المائدة التي
أنزلها الله ـ تعالي ـ من السماء كرامة لعبده ورسوله‏:‏ المسيح عيسي بن مريم ـ
عليهما من الله السلام ـ‏.‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة المائدة حول التشريع
بعدد من الأحكام اللازمة لإقامة الدولة الإسلامية‏,‏ وتنظيم مجتمعاتها علي أساس من
الإيمان بالله ـ تعالي ـ ربا واحدا أحدا‏,‏ فردا صمدا‏(‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏
ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة ولا ولد‏),‏ وهذا التفرد للخالق ـ سبحانه وتعالي ـ
بالألوهية‏,‏ والربوبية‏,‏ والخالقية‏,‏ والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ يجعل
التشريع للعباد حقا من حقوق الله ـ تعالي ـ وحده‏,‏ لا ينازعه فيه عبد من
عباده‏.‏
هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة المائدة‏,‏ وما جاء فيها من أسس كل من
التشريع والعقيدة‏,‏ وكل من الإشارات العلمية والإنبائية‏,‏ ونركز هنا علي ومضة
الإعجاز الانبائي الغيبي في ذكر قصة ابني آدم ـ عليه السلام ـ كما جاءت في النص
القرآني الذي اخترناه عنوانا لهذا المقال‏.‏
والواقعة لم يشهدها من البشر سوي
آدم وزوجه وولديه وبنتيه‏,‏ ولولا أن القرآن الكريم قد سجلها بهذا التفصيل الدقيق
الذي يمكن استخلاص العبرة منه‏,‏ ما علم بها أحد من البشر بعد‏,‏ وما كان أمام
العلماء والمؤرخين من وسيلة للوصول إلي معرفة شيء من تلك الواقعة التي طواها الزمن
في أستاره‏.‏
من أوجه الإعجاز الإنبائي في النص الكريم‏:‏ يقول ربنا ـ تبارك
وتعالي ـ في محكم كتابه‏:‏
﴿ وَاتْلُ
عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ
مِنْ أَحَدِهِمَا
وَلَمْ
يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ
مِنَ المُتَّقِينَ
* لَئِن
بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ
لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ العَالَمِينَ
* إِنِّي
أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي

وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ
جَزَاءُ الظَّالِمِينَ
* فَطَوَّعَتْ
لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الخَاسِرِينَ
* فَبَعَثَ
اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ
أَخِيهِ قَالَ يَا
وَيْلَتَى
أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الغُرَابِ
فَأُوَارِيَ
سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ
‏ [‏ المائدة‏:27‏ ـ‏31]‏.
والخطاب هنا موجه إلي خاتم الأنبياء
والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ يقول له فيه رب العالمين‏:‏ اقرأ يا محمد علي
اليهود في المدينة حقيقة خبر ابني آدم ـ عليه السلام ـ حين تقرب كل منهما إلي الله
ـ تعالي بقربة‏,‏ فتقبل ربنا ـ تبارك وتعالي ـ قربة أحدهما لإخلاصه وتقواه‏,‏ ولم
يتقبل من الآخر لعدم توافر الإخلاص فيه‏,‏ فحسد فاقد الإخلاص أخاه التقي المخلص‏,‏
وتوعده بالقتل‏,‏ فرد الأخ التقي الصالح بأن الله ـ تعالي ـ لا يتقبل العمل إلا من
عباده الأتقياء المخلصين‏,‏ قائلا‏:‏ لئن أغواك الشيطان فمددت يدك نحوي لتقتلني‏,‏
فأنا لن أمد إليك يدي لأقتلك‏,‏ وذلك لأني أخاف الله رب العالمين‏,‏ وسوف أتركك
تفعل ما تريد لتحمل ذنب قتلي بغير إثم جنيت‏,‏ فتكون من أهل النار‏,‏ والنار هي
جزاء الظالمين في الآخرة‏.‏
وعلي الرغم من هذا الأدب في الحوار‏,‏ والتحذير
الشديد من النار فإن الأخ الظالم سولت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من
الخاسرين‏.‏
وبعد وقوع أول جريمة قتل لآدمي علي وجه الأرض أصابت القاتل مختلف
ضروب الحسرة والحيرة لأنه فوجيء بأخيه جثة هامدة أمامه بلا حراك‏,‏ ولم يدر ماذا
يصنع بها بعد أن قتل صاحبها‏,‏ وبدأت الجثة في التعفن أمامه‏,‏ فأرسل الله ـ تعالي
ـ غرابا ينبش أمام هذا الإنسان القاتل في تراب الأرض ليدفن غرابا ميتا‏,‏ كي يعلم
هذا القاتل الأول من بني آدم كيف يواري جثة أخيه في تراب الأرض سترا لها‏,‏ فانفجر
هذا القاتل باكيا‏,‏ ومتحسرا علي جريمته‏,‏ ومستشعرا سوء عمله وعجزه وحيرته
قائلا‏:‏ يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي‏...‏ فقام بدفن
جثة أخيه وهو يبكي ندما علي جريمته‏.‏
وكما كانت هذه هي أول جريمة قتل يقترفها
الإنسان كانت عملية دفن جثة هذا القتيل هي أول عملية دفن في تاريخ البشرية‏,‏ وهذا
الدفن في تراب الأرض كان بأمر من الله ـ تعالي ـ عن طريق عمل الغراب إكراما
للميت‏,‏ ومنعا لانتشار الأمراض والأوبئة إذا بقيت جثث الموتى معرضة
للهواء‏.‏
وعقابا لقاتل أخيه بغير ذنب‏,‏ وتجريما لعملية القتل ظلما‏,‏ روي
الإمام أحمد بسنده إلي ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنه قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلي
الله عليه وسلم‏:‏
"لا تقتل نفس ظلما إلا كان علي ابن أدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول
من سن القتل‏"
.‏
وكطبيعة القرآن الكريم‏,‏ أوردت الآيات‏(27‏ ـ‏31)‏ من سورة
المائدة‏:‏ قصة ابني آدم دون الدخول في التفاصيل كالأسماء‏,‏ والأماكن‏,‏
والتواريخ‏,‏ وذلك من أجل إبراز الدروس المستفادة‏,‏ والعبر المستفادة من عرض القصة
لنموذجين من نماذج البشرية النموذج التقي الصالح‏,‏ والنموذج الشقي الطالح‏,‏
وكلاهما في موقف من مواقف الطاعة لله ـ تعالي ـ يقدم كل واحد منهما قربانه إلي
ربه‏..‏ فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر‏,‏ والفعل‏(‏ تقبل‏)‏ مبني للمجهول‏,‏
ليشير إلي قوة غيبية‏,‏ تقبلت أو لم تتقبل القربان بكيفية غيبية كذلك‏,‏ حتى تسد
علي التفكير البشري المحدود مجال الشطحات غير المرتبطة بنص صريح من كتاب الله ـ
تعالي ـ أو من سنة رسوله ـ صلي الله عليه وسلم ـ ولكي تؤكد براءة الذي تقبل منه
قربانه‏,‏ حيث لم يكن له يد في قبوله‏,‏ ومن هنا لم يكن لأخيه مبرر في الغضب منه
والحنق عليه حتى يجيش في نفسه خاطر قتل أخيه‏,‏ وفي ثورة هذا الغضب هدد أخاه بالقتل
قائلا‏:‏ لأقتلنك‏,‏ فلم يكن عند صاحب التقوى والورع من جواب إلا أن يقول‏:‏ إنما
يتقبل الله من المتقين‏,‏ وهذا هو الدرس الأول المستفاد من هذه القصة‏.‏
ويضيف
الأخ الصالح قائلا لأخيه‏:‏ لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لا
قتلك إني أخاف الله رب العالمين‏,‏ ويحذر أخاه من الوقوع في جريمة القتل‏,‏ فيقول
له‏:‏ إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين‏,‏
والإثم الأول‏:‏ هو إثم القتل الذي كانت تراوده به نفسه الأمارة بالسوء‏,‏ والإثم
الثاني‏:‏ هو إثم عدم الإخلاص لله الذي أدي إلي عدم قبول القربان منه‏,‏ وإن كان
الإثم الأول قد جاء لاحقا للإثم الثاني‏.‏
وما قاله الأخ الصالح التقي للأخ
الطالح الشقي كان من أجل إقناعه بخطورة جريمة القتل‏,‏ في محاولة لصده عن الوقوع
فيها دون جدوى‏,‏ وقد سجل القرآن الكريم ذلك بقول الحق تبارك وتعالي‏:‏ فطوعت له
نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين‏,‏ وهذا هو الدرس الثاني المستفاد من إيراد
هذه الواقعة‏,‏ لأنه قتل نفسا بغير حق‏,‏ فأورد نفسه موارد المسئولية أمام الله‏,‏
وكان المقتول هو أخاه شقيقه‏,‏ المفروض فيه أنه عونه ونصيره في الحياة‏,‏ فخسر
الدنيا والآخرة‏,‏ وذلك هو الخسران المبين‏.‏
وقد شاء الله ـ تعالي ـ أن يوقف
هذا الشقيق القاتل أمام عجزه عن كيفية التخلص من جثة أخيه الذي قتله بيده‏,‏ وتركه
مسجيا علي الأرض جثة هامدة تتعفن أمام ناظريه‏,‏ وهو لا يدري ماذا يفعل بها‏,‏
والموت له رهبة لا يستطع القلم وصفها‏,‏ والإنسان مكرم حيا وميتا‏,‏ وهذا ما أوقع
الأخ القاتل لأخيه في حيرة شديدة‏.‏
وبينما الأخ القاتل في حيرته وسط هذه
الدوامة من المشاعر والأحاسيس المتضاربة‏,‏ بعث الله ـ تعالي ـ غرابا يعلمه كيف
يواري سوءة أخيه‏,‏ وفي ذلك يقول القرآن الكريم‏:‏
﴿ فَبَعَثَ
اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ
أَخِيهِ قَالَ يَا
وَيْلَتَى
أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الغُرَابِ
فَأُوَارِيَ
سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ
‏ [‏ المائدة‏:31]‏ ‏.‏

وهنا قام هذا الشقيق القاتل بدفن جثمان
أخيه كما علمه الغراب‏,‏ فأصبح دفن أموات بني آدم سنة ألهمها الله ـ تعالي ـ
لعباده‏,‏ وهذا هو الدرس الثالث‏,‏ المستفاد من إيراد قصة ولدي آدم في القرآن
الكريم‏,‏ وهي تؤكد تصارع الخير والشر في الحياة الدنيا‏,‏ حتى بين الأشقاء وبين
أبناء الأنبياء‏.‏
وتبين الواقعة كذلك أن الباطل لا منطق له ولا حجة تدعمه‏,‏
ولذلك فسلاح أهل الباطل هو دوما البطش والقتل والطغيان‏,‏ دفاعا عن مواقفهم
الهزيلة‏,‏ كما يحدث اليوم علي أرض فلسطين‏,‏ وفي كل من العراق وأفغانستان‏,‏ وعلي
أراضي كل من الصومال والسودان وكشمير وأراكان وإنجوشيا والشيشان وفي غيرها من بلاد
المسلمين‏.‏
وهذا هو الدرس الرابع المستفاد من إيراد تلك الواقعة‏,‏ وإيرادها هو
من أوجه الإعجاز الإنبائي الغيبي في كتاب الله لأن الواقعة لم يشهدها أي من الناس
سوي أبوينا آدم وحواء وأبنائهما المباشرين‏,‏ ولم يكن لأحد من أهل الجزيرة العربية
في زمن الوحي إلمام بها علي الإطلاق‏.‏
من هنا كانت إشارة القرآن الكريم إلي قصة
ولدي آدم تمثل وجها من أوجه الإعجاز في كتاب الله نسميه الإعجاز الإنبائي الغيبي
حيث إن القرآن الكريم يخبر عن واقعة غيبية وقعت من قبل عشرات الآلاف من السنين‏,‏
ولم يشهدها من بني آدم إلا آدم ـ عليه السلام ـ نفسه وزوجه وعدد من أوائل
أبنائهما‏,‏ ولم يكن لأحد من كفار ومشركي قريش إلمام بهذه الواقعة‏.‏
إذا علمنا
أن العرب في زمن الجاهلية لم يكونوا أهل علم وتدوين‏,‏ بل كانوا في غالبيتهم من
الأميين‏,‏ وكذلك كانت غالبية أهل الكتاب الذين كانوا موجودين في عدد من الجيوب
المعزولة علي أطراف شبه الجزيرة العربية الشمالية والشمالية الشرقية‏,‏ والجنوبية
الغربية كالمناذرة الذين سكنوا شمال الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق‏,‏ وكانوا
عربا واعتنقوا النصرانية وتحالفوا مع الفرس‏,‏ ثم دخلوا الإسلام بعد الفتح
الإسلامي‏,‏ وكالغساسنة وهم سلالة عربية كذلك‏,‏ يمنية الأصل هجرت بلادها عند
انهيار سد مأرب في القرن الثالث الميلادي‏,‏ واستوطنت بلاد حوران وشرقي الأردن
وفلسطين ولبنان‏,‏ واعتنق عدد من أبنائها الديانة النصرانية‏,‏ ثم أسلم غالبيتهم
بعد الفتح الإسلامي‏,‏ وكيهود كل من خيبر ويثرب والذين أسلم بعضهم بعد وصول رسول
الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ إلي المدينة‏,‏ ويهود ونصاري كل من نجران
واليمن‏..‏
إذا علمنا ذلك‏,‏ أدركنا ومضة الإعجاز الإنبائي في إيراد القرآن
الكريم لقصة ولدي آدم بالصورة التي اتسم بها هذا الكتاب العزيز في إيراد القصةـ لا
بتفاصيلها التاريخية‏:‏ المكانية والزمانية‏,‏ ولا بكثرة أسماء وأعمار الأشخاص
الواردة أسماؤهم فيها ـ ولكن بإيراد الدروس والعبر المستفادة منها‏,‏ وهذا هو
الفارق بين الوحي السماوي الذي حفظ بعهد من الله ـ تعالي ـ وبين قصص التراث الشعبي
الذي نقل مشافهة عبر آلاف السنين فأضيف إليه ما أضيف وحذف منه ما حذف‏.‏
فالحمد
لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير
الأنام ـ صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي
يوم الدين ـ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://activinspire.ahlamontada.net
نبيلة محمود خليل
مديرة موقع رحماك ربى
مديرة موقع رحماك ربى
avatar

انثى عدد المساهمات : 1427
تاريخ التسجيل : 29/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: الإعـجاز التاريخـي مع نبيلة ونبيل الإعـجاز التاريخـي    الجمعة يناير 04, 2013 1:12 pm

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾

هذا النص القرآني الكريم جاء في بداية العشر الثاني من سورة البقرة‏,‏
وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها مائتان وست وثمانون‏(286)‏ بعد البسملة‏,‏ وهي أطول سور
القرآن الكريم علي الإطلاق‏,‏ ويدور محورها الرئيسي حول قضية التشريع الإسلامي‏.‏
وقد سبق لنا استعراض سورة البقرة‏,‏ وما جاء فيها من تشريعات‏,‏ وعقائد‏,‏
وأخبار‏,‏ وقصص‏,‏ وقواعد أخلاقية وسلوكية‏,‏ وإشارات كونية‏,‏ ونركز هنا علي ومضة
الإعجاز الإنبائي في النص الذي اخترناه عنوانا لهذا
المقال‏.‏
من أوجه الإعجاز الإنبائي في النص الكريم‏:‏

يقول ربنا ـ تبارك
وتعالي ـ في محكم كتابه‏:‏
﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
‏(‏ البقرة‏:35)‏
وأكد ربنا ـ تبارك اسمه ـ علي نفس المعني في مقام آخر من القرآن الكريم
قال ـ عز من قائل‏:‏
﴿ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ
وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ
‏(‏ الأعراف‏:19)‏

وقد اختلف المفسرون في تحديد الجنة التي أدخل إليها أبوانا آدم وحواء ـ
عليهما السلام ـ هل هي جنة المأوي المعروفة باسم جنة الخلد وهي دار جزاء وخلود‏,‏
لا يخرج داخلها منها أبدا‏,‏ أم هي جنة في الأرض أعدها الله ـ سبحانه وتعالي ـ
لهما‏,‏ وجعلها دار ابتلاء واختبار‏,‏ والواضح من الآيات القرآنية الكريمة
والأحاديث النبوية الشريفة أنها كانت جنة علي الأرض أي‏:‏ منطقة مرتفعة علي هيئة
ربوة تعلو ما حولها‏,‏ زاخرة بالأشجار المثمرة‏,‏ ذات الظلال الوارفة‏,‏ والنضرة
والبهجة الدائمة‏,‏ ولذلك وصفها ربنا ـ تبارك وتعالي ـ موجها الخطاب إلي أبينا آدم
ـ عليه السلام ـ قائلا له‏:‏

﴿ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى . وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى
(‏طه‏:119,118)‏
هذا بالإضافة إلي أن الجنة التي أسكنها آدم وحواء تم تكليفهما فيها ألا
يأكلا من شجرة معينة‏,‏ وابتليا فيها بذلك‏,‏ والأرض هي دار الابتلاء‏,‏ وجنة الخلد
هي دار الجزاء التي وعد الله ـ تعالي ـ المتقين بدخولها في الآخرة‏,‏ وهي ليست دار
ابتلاء‏.‏كذلك فإن إبليس دخل علي أبوينا آدم وحواء جنتهما
الأرضية‏,‏ وهو محروم من الدخول إلي جنة المأوي‏,‏ وأن مجرد إخراج أبوينا آدم وحواء
من الجنة التي أسكنا فيها ينفي عنها أن تكون جنة الخلد التي لا يخرج منها من دخلها
أبدا‏.‏

والاحتجاج بتعريف‏(‏ الجنة‏)‏ التي سكنها أبوانا آدم وحواء ـ عليهما
السلام ـ لا يدل أبدا علي أنها جنة المأوي‏,‏ وذلك لأن الألف واللام هنا للتعريف‏,‏
وليسا للتعميم ويستدل علي ذلك من وصف القرآن الكريم لعدد من جنات الأرض بالتعريف‏,‏
وذلك من مثل قوله ـ تعالي‏:‏
﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الجَنَّةِ إِذْ
أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ﴾
‏(‏ القلم‏:17)‏
وكذلك فإن الاحتجاج بأن ذكر‏(‏ الهبوط‏)‏ من الجنة التي أدخل إليها
أبوانا آدم وحواء ـ عليهما السلام ـ يمكن أن يشير إلي النزول من السماء إلي الأرض
لا سند له علي الإطلاق‏,‏ وذلك لأن الهبوط قد يكون من مرتفع علي الأرض إلي ما
دونه‏,‏ كما قد يكون هبوطا معنويا في مثل قوله ـ تعالي ـ‏:‏

(1)
﴿...‏ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾
(‏البقرة‏:36)‏
‏(2)‏
﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي
هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
(‏البقرة‏:38)‏
‏(3)‏
﴿
قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ
(‏الأعراف‏:24)‏

أو من السفينة إلي البر‏,‏ ودليلنا علي ذلك أقوال ربنا ـ تبارك وتعالي ـ
التي منها‏:‏
‏(1)

﴿...‏ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ‏..‏
ومنه الآيات‏:‏
‏(2)

﴿
...‏ قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ ‏..
(‏ هود‏:48)‏
ويؤكد حقيقة أرضية الجنة التي أدخلها أبوانا آدم وحواء ـ عليهما السلام
ـ أنهما خلقا من طين الأرض وللخلافة في الأرض‏,‏ ولم يرد أنهما رفعا إلي السماء‏,‏
وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالي‏:‏
‏(1)

﴿
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ
خَلِيفَةً
‏(‏ البقرة‏:30).‏
(2)

﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ
‏(‏ السجدة‏:7).‏
‏(3)‏
﴿

إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين

(‏ ص‏:71).‏
ويؤكد ذلك أيضا من أقوال المصطفي ـ صلي الله عليه وسلم ـ قوله الشريف‏:‏
إن الله ـ تعالي ـ خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض‏,‏ وجاء بنو آدم علي قدر
الأرض‏:‏ فجاء منهم الأحمر‏,‏ والأبيض‏,‏ والأسود‏,‏ وبين ذلك‏,‏ والسهل والحزن‏,‏
والخبيث والطيب‏(‏ أخرجه من أئمة الحديث‏:‏ أحمد‏,‏ وأبو داود‏,‏ الترمذي‏,‏
والبزار‏,‏ وابن حبان‏).‏

ليس هذا فقط‏,‏ بل إن هناك من أقوال ربنا ـ تبارك
وتعالي ـ ما يشير إلي أن جنة الخلد ستكون في الأرض الجديدة التي سوف تتبدل عن أرضنا
الحالية وسوف تحتوي كل ذراتها بالكامل وذلك من مثل آياته ـ تعالي ـ‏:‏


*‏
﴿
وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
(‏آل عمران‏:133).‏

*‏
﴿

قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ
‏(‏ الأعراف‏:25).‏


*‏
﴿

يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ
(‏إبراهيم‏:48).‏

‏*‏

﴿

مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى
(‏طه‏:55).‏

‏*‏
﴿

وَقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ
فَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ

(‏الزمر‏:74).

‏*‏
﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن
يَشَاءُ
وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ
(‏الحديد‏:21).‏
‏*‏
﴿
وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً

(‏نوح‏:17,18).‏
كل هذه الأدلة تؤكد أن الجنة التي سكنها أبوانا آدم وحواء ـ عليهما
السلام ـ كانت ربوة مرتفعة علي الأرض ذات أشجار نضرة‏,‏ وثمار يانعة‏,‏ وظلال
وارفة‏,‏ تتوفر لهما فيها جميع حاجاتهما دون عناء أو تعب‏,‏ فلما خالفا أمر ربهما
وأكلا من الشجرة التي نهيا عنها أهبطا إلي أرض الابتلاء والنصب‏,‏ والشقاء
والتعب‏,‏ والكدر والنكد‏,‏ ولذلك قال ـ تعالي ـ‏:‏
﴿

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ .
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا
فِيهِ
وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ
‏(‏ البقرة‏:36,35).‏
وهذا الحين هو أجل كل منهما‏,‏ وأجل كل فرد من ذريتهما إلي قيام
الساعة‏,‏ ولا يعني ذلك أبدا أنهما كانا خارجين عن حدود الأرض‏,‏ فقد خلقا منها‏,‏
وأدخلا الجنة عليها‏,‏ وأهبط بهما من تلك الجنة الأرضية هبوطا معنويا من مقومات
الرعاية الإلهية الكاملة التي لا تكلف الفرد أية مسئولية عن توفير احتياجاته
كلها‏(‏ الضرورية منها والكمالية‏)‏ إلي واقع الكدح الحقيقي من أجل توفير شيء من
تلك الاحتياجات‏,‏ وتحمل المسئولية الكاملة عن تحقيق ذلك‏,‏ لأن أبوينا آدم وحواء
مخلوقان ابتداء للحياة علي هذه الأرض‏,‏ ولذلك قال ـ تعالي ـ‏:‏

﴿
...‏ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ‏..

(‏ البقرة‏:30).‏
والتجربة التي مر بها أبوانا آدم وحواء ـ عليهما السلام ـ كانت تربية
لهذين المخلوقين اللذين استخلفهما الله في الأرض‏,‏ وإعدادا لهما من أجل فهم حقيقة
رسالة الإنسان في هذه الحياة عبد الله‏,‏ يعبده ـ تعالي ـ بما أمر‏,‏ ومستخلفا في
الأرض مطالبا بعمارتها وإقامة عدل الله فيها‏,‏ كما هو مطالب بمقاومة كل محاولات
الشيطان من أجل إغوائه عن تحقيق رسالته في هذه الحياة الدنيا‏,‏ حتي تكون هذه
الحياة بحق هي دار ابتلاء للإنسان وفترة اختبار وامتحان يثبت لنفسه في نهايتها
استحقاقه بالخلود في الجنة أو في النار‏,‏ وبذلك يقيم الحجة علي نفسه بنفسه‏,‏ وإلا
فإن علم الله المحيط بكل شيء غني عن هذا الاختبار حتي يميز أهل الجنة عن أهل
النار‏.‏

من هنا كانت حكمة الله من إدخال أبوينا آدم وحواء ـ عليهما السلام
ـ في الجنة حتي يدركا شيئا من نعيمها‏,‏ ثم يعرضهما ربهما لمحاولة من إبليس من أجل
إغوائهما عن الالتزام بأوامر الله‏,‏ ثم ييسر لهما التوبة إلي الله‏,‏ والندم علي
مخالفة أمره‏,‏ ومعرفة حقيقة العدواة بين الشيطان والإنسان حتي يحتاط كل إنسان عاقل
لنفسه من غواية شياطين الجن والإنس‏,‏ ويعرف كيف يعود إلي ربه إذا غلبه الشيطان علي
نفسه‏,‏ فلا ييأس الإنسان من رحمة الله‏,‏ ويتعلم كيف ينتصر علي عدوه الأول إذا شاء
الانتصار عليه‏,‏ ويعرف مصيره إذا سمح للشيطان بالانتصار
عليه‏!!‏
وقصة أبوينا آدم وحواء ـ عليهما السلام ـ كما جاءت في كتاب
الله هي من أوجه الإعجاز الإنبائي في القرآن الكريم‏,‏ وهو إنباء غيبي لأن أيا من
بني آدم لم يشهد خلق أبويه آدم وحواء‏.‏

من هنا يتضح أن قصة خلق أبوينا آدم
وحواء ـ عليهما السلام ـ كما جاءت في القرآن الكريم لم تنقل من كتب الأقدمين‏,‏ وإن
كان بعض التشابه في القصة يؤكد أن أصلهما واحد‏,‏ وإن كان أحدهما قد تعرض للتشويه
البشري‏,‏ وبقي الآخر بروايته الربانية‏.‏ فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد
لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام سيدنا محمد النبي العربي‏,‏
وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه‏,‏ ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد
لله رب العالمين‏.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://activinspire.ahlamontada.net
نبيلة محمود خليل
مديرة موقع رحماك ربى
مديرة موقع رحماك ربى
avatar

انثى عدد المساهمات : 1427
تاريخ التسجيل : 29/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: الإعـجاز التاريخـي مع نبيلة ونبيل الإعـجاز التاريخـي    الجمعة يناير 04, 2013 1:13 pm

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ
أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ ﴾


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في بداية العشر الثاني من سورة
البقرة‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها مائتان وست وثمانون‏(286)‏ بعد البسملة‏,‏ وهي
أطول سور القرآن الكريم علي الإطلاق‏,‏ ويدور محورها الرئيسي حول قضية التشريع الإسلامي‏.‏
وقد سبق لنا استعراض سورة البقرة‏,‏ وما جاء فيها من
ركائز التشريع‏,‏ وأسس العقيدة‏,‏ وضوابط كل من الأخلاق والسلوك‏,‏ وقصص
السابقين‏,‏ ومن الإشارات الكونية والعلمية‏,‏ وغير ذلك من الأخبار‏,‏ ونركز هنا
علي ومضة الإعجاز الإنبائي الغيبي في الأمر الإلهي إلي الملائكة بالسجود لأبينا آدم
ـ عليه السلام ـ كما جاء في الآية القرآنية الكريمة التي اتخذناها عنوانا لهذا
المقال وفي أربعة مواضع أخري من كتاب الله‏.‏



من أوجه الإعجاز الإنبائي الغيبي في النص الكريم‏:‏
يقول ربنا ـ
تبارك وتعالي ـ في محكم كتابه‏:‏
﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ
إِبْلِيسَ أَبَى

وَاسْتَكْبَرَ
وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ
‏(‏ البقرة‏:34)‏
وأكد ربنا ـ تبارك اسمه ـ هذا المعني في أربعة مواضع أخري من محكم كتابه
فقال‏:‏
‏(1)
﴿
وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا
لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ
السَّاجِدِينَ ﴾
(‏ الأعراف‏:11).‏
‏(2)‏
﴿
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ
إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ﴾
(‏ الإسراء‏:61)‏.
‏(3)‏
﴿
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ
إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
أَفَتَتَّخِذُونَهُ

وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ﴾
(‏ الكهف‏:50)‏.
‏(4)‏
﴿
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ
إِبْلِيسَ أَبَى ﴾
(‏ طه‏:116)‏
وسجود الملائكة لأبينا آدم‏-‏ عليه السلام‏-‏ هو سجود
تكريم واحترام وتوقير‏,‏ لا سجود خضوع وعبادة وتسليم كسجود العباد لخالقهم‏-‏
سبحانه وتعالي‏-‏ وذلك لأن الله‏-‏ تعالي‏-‏ خص ذاته العلية وحده بالعبادة‏,‏ وأمر
عباده بعدم الخضوع بالسجود لغيره‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ واعتبر ذلك ضربا من الشرك
بالله‏.‏
والملائكة خلق غيبي بالنسبة لنا‏,‏ سابق خلقهم لخلق الإنسان‏,‏ وصفهم
رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ بأنهم خلقوا من نور‏,‏ وذلك انطلاقا من حديث أم
المؤمنين السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ قال‏:‏
"خلقت الملائكة من نور‏,‏ وخلق الجان من مارج من نار‏,‏ وخلق آدم مما
وصف لكم"
‏(‏ صحيح مسلم‏).
والملائكة يصفهم القرآن الكريم بأنهم عباد الله
المكرمون‏,‏ وبأنهم هم الملأ الأعلى‏,‏ وهم السفرة‏,‏ الكرام البررة‏.‏
والإيمان
بالملائكة واجب إسلامي لقول ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏:‏
﴿
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ
وَكُتُبِهِ
وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ
وَقَالُوا سَمِعْنَا
وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ ﴾
(‏ البقرة‏:285).‏
ويؤكد ذلك قوله ـ سبحانه وتعالي‏:
﴿ ...
وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ
وَمَلائِكَتِهِ
وَكُتُبِهِ
وَرُسُلِهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ﴾
(‏ النساء‏:136).‏
ويصف القرآن الكريم الملائكة بقول ربنا ـ تبارك
وتعالي‏:‏
﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ
وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾
‏ (‏ النحل‏:50,49),‏ ويقول ربنا ـ تبارك وتعالي‏:‏
﴿ وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضِ
وَمَنْ عِندَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ
وَلاَ
يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ ﴾
(‏ الأنبياء‏:20,19).‏
ويضيف القرآن الكريم في وصف الملائكة قول
ربنا ـ تبارك وتعالي‏:‏
الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلاً أُوْلِي أَجْنِحَةٍ
مَّثْنَى

وَثُلاثَ
وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
( فاطر‏:1).‏
ويؤكد القرآن الكريم الطاعة الفطرية لله في الملائكة
بقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ عنهم بأنهم‏:
﴿...لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾
(‏ التحريم‏:6)‏
والأمر الإلهي للملائكة بالسجود لأبينا آدم ـ عليه
السلام ـ وجميع ذريته إلي قيام الساعة موجودة في صلبه هو إعلان من الله ـ تعالي ـ
بتكريم الإنسان‏,‏ ذلك المخلوق المكرم الذي خلقه الله ـ سبحانه وتعالي ـ بيديه‏,‏
ونفخ فيه من روحه‏,‏ وعلمه من علمه‏,‏ وأسجد له الملائكة‏,‏ وفضله علي كثير ممن خلق
تفضيلا‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ تبارك وتعالي‏:‏
﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ
وَالْبَحْرِ
وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا
تَفْضِيلاً
‏(‏الإسراء‏:70).‏
ومبعث هذا التكريم أن الله ـ تعالي ـ توج الحياة
الأرضية بخلق الإنسان‏,‏ وجعله أشرف هذه المخلوقات علي الإطلاق‏,‏ وميزه بالبيان
والعقل‏,‏ وبالقدرة علي التفكير الإيجابي‏,‏ وعلي اكتساب المعارف والمهارات‏,‏ ومن
ثم جعل الإنسان مخلوقا عاقلا مكلفا مسئولا محاسبا عن كل عمل يعمله في هذه الحياة
الدنيا‏.‏
فهناك العالم المادي‏(‏ بجوامده‏,‏ وسوائله‏,‏ وغازاته‏),‏ وهناك
عوالم الحياة غير المكلفة‏:‏ النباتية والحيوانية‏,‏ وعوالم الحياة العاقلة غير
المحسوسة ومنها المسخر‏(‏ كالملائكة‏)‏ والمكلف‏(‏ كعالم الجن‏)‏ وهناك الإنسان ذلك
المخلوق العاقل‏,‏ المكلف‏,‏ المسئول‏,‏ المحاسب والمدرك‏,‏ الذي له القدرة علي
التفكير وعلي إدراك ما يفكر فيه‏,‏ كما يستطيع الإدراك في نفسه لمعان وقيم للأشياء
والأفعال تجعله قادرا علي العيش في عالم من الأفكار‏,‏ والتصورات‏,‏ والذكريات‏,‏
والعواطف‏,‏ والمشاعر‏,‏ والأحاسيس‏,‏ والتعبير عن ذلك كله تعبيرا يقبله العقل
السوي‏,‏ وذلك مكن الإنسان من إدراك ذاته بصورة متميزة عن كل ما سواه من الكائنات
الحية المدركة‏,‏ رغم ما بينه وبينها من شبه في البناء يشير إلي وحدانية الخالق ـ
سبحانه وتعالي ـ وتمايز في مستوي هذا البناء تشير إلي طلاقة القدرة الإلهية التي
أبدعت خلق الإنسان وإلي مبررات التكريم الذي رفعه إليه الله وهو ـ تعالي ـ الرافع
الخافض‏.‏
والإنسانية في الإنسان ليست بجسده المادي المعقد البناء‏,‏ ولا بصفاته
الجسدية الظاهرة والتشريحية الخاصة‏,‏ فكل ذلك يحكمه قوانين المادة ومظاهر
الحياة‏.‏ والإنسانية في الإنسان ليست كذلك بنسبته إلي سلالة معينة من الكائنات هي
السلالة البشرية بمعني كونه بشرا أي مخلوقا ظاهرا علي جميع الكائنات الحية
الأرضية‏,‏ بمعني كونه انسيا من الإنس‏(‏ أي غير الجن‏)‏ فهذه كلها صفات مادية
محضة‏.‏ ولكن الإنسانية في الإنسان هي قدرته علي الارتقاء بذاته إلى الدرجة التي
تؤهله للقيام بواجبات الاستخلاف في الأرض‏,‏ واحتمال تبعات التكليف الإلهي الذي
كلفه به الله ـ تعالي ـ بقوله العزيز‏:
﴿... إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً...﴾
والارتقاء بذاته كذلك إلى الدرجة التي تؤهله لحمل الأمانة التي وصفها
ربنا ـ تبارك وتعالي ـ بقوله العزيز‏:‏
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ
وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا
وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً
جَهُولاً
‏(‏الأحزاب‏:72).‏
ولذلك فالإنسان توازن دقيق بين طبيعته المادية
وروحه التي نفثها فيه خالقه‏,‏ وجعل له عقلا يحول دون طغيان أحد جانبيه علي
الآخر‏,‏ وعلي ذلك فالإنسان يعلو علي متطلبات جسده بعقله‏,‏ ويعلو علي أحكام عقله
بروحه‏,‏ لأنه يتصل بدوافع الحياة بواسطة جسده‏,‏ ويتصل بخالقه عن طريق عقله
وروحه‏.‏ وواجب العقل البشري أن يدرك ما وسعه إدراكه من العوالم المحسوسة
المدركة‏,‏ ولكنه لا يستطيع إدراك ما فوق ذلك من عوالم الغيب المطلق إلا ببيان من
الله ـ تعالي ـ عن طريق الوحي المنزل علي أنبياء الله ورسله‏.‏
من هنا كانت
ضرورة الدين لاستقامة حياة الإنسان علي الأرض‏,‏ وتمكينه من تحقيق رسالته فيها
بنجاح‏.‏
والدين علمه الخالق ـ سبحانه وتعالي ـ لأبينا آدم ـ عليه السلام ـ لحظة
خلقه‏,‏ وأنزله علي سلسلة طويلة من الأنبياء والمرسلين‏,‏ وأتمه وختمه في الرسالة
الخاتمة التي بعث بها الرسول الخاتم سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد النبي العربي
ـ صلي الله عليه وسلم ـ ولما كان ليس من بعد هذا الرسول الخاتم من نبي ولا رسول‏,‏
فقد تعهد ربنا ـ تبارك وتعالي ـ بحفظ رسالته الخاتمة تعهدا مطلقا فحفظت في القرآن
الكريم‏,‏ وفي سنة خاتم المرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ في نفس لغة الوحي بها‏(‏
اللغة العربية‏)‏ علي مدي يزيد علي أربعة عشر قرنا وسوف تبقي محفوظة بحفظ الله ـ
تعالي ـ إلى ما شاء الله حتى تبقي حجة الله علي خلقه إلي يوم الدين‏.‏
والإنسان
لا يمكنه أن يحيا علي هذه الأرض حياة سوية بغير الدين‏,‏ والدين لا يمكن أن يكون
صناعة بشرية لقيامه علي عدد من ركائز الغيب المطلق‏(‏ كقضية العقيدة‏)‏ وعلي فروض
تعبدية لابد للإنسان من تلقي أوامرها من الله ـ سبحانه وتعالي ـ وعلي دستور أخلاقي
وفقه للمعاملات وهذه من القضايا التي لا تقوي الطبيعة البشرية علي وضع أية ضوابط
صحيحة فيها‏,‏ ومن هنا كانت ضرورة الدين‏.‏
والإنسان بفضل عقله‏,‏ وإرادته الحرة
المستنيرة بالعقل يستطيع التمييز بين معتقد صحيح وآخر غير صحيح‏,‏ وذلك بدقة حفظ
الوحي السماوي الذي أنزل بهذا المعتقد‏,‏ والإنسان هو الكائن المتميز بالقدرة علي
تحصيل العلم‏,‏ وبالاستعداد لكسب المعارف عن طريق التحصيل‏,‏ والتفكير والإلهام
والالتزام بوحي السماء‏,‏ وهو المخلوق الوحيد القادر علي تدبير حياته‏,‏ وعلي توجيه
قواه وملكاته المادية والروحية‏,‏ وعلي تسخير ما في الأرض من قوي وكائنات‏,‏ وما في
الكون من سند وقوانين لعمارة الحياة علي الأرض‏,‏ ومن ثم التعرف علي خالق الكون
ومبدع الوجود‏,‏ وفهم رسالته في هذه الحياة‏:‏ عبدا لله‏,‏ مطالبا بعبادته بما
أمر‏,‏ ومستخلفا ناجحا في الحياة مطالبا بعمارة الأرض وإقامة شرع الله وعدله فيها
وهي مبررات الأمر الإلهي للملائكة بالسجود لأبينا آدم ـ عليه السلام ـ وبصلبه جميع
بنيه‏.‏
أما إبليس فهو من الجن كما جاء في سورة الكهف‏,‏ والجن من عالم الغيب
الذي لا نراه‏,‏ وهم قد عمروا الأرض قبل الإنس‏,‏ وأساءوا وأفسدوا فيها وسفكوا
الدماء قبل أن يسفكها بنو آدم‏.‏ وقد سمي الجن جنا لاستتارهم عن أبصار الإنس‏.‏
والجن خلق عاقل مكلف كالإنس‏,‏ ومنهم المؤمن والكافر‏,‏ وهم يأكلون ويتناسلون
ويموتون‏,‏ وقد عرفهم الإنس من كتاب الله ـ سبحانه وتعالي ـ ومن سنة رسوله ـ صلي
الله عليه وسلم ـ فقد جاء ذكر الجان في مواضع عديدة من القرآن الكريم‏,‏ وفي العديد
من أحاديث سيد المرسلين‏,‏ ومن هنا وجب الإيمان بوجودهم وإن لم نستطع
رؤيتهم‏.‏
وقد شمل أمر الله ـ تعالي ـ إلي الملائكة بالسجود لأبينا آدم ـ عليه
السلام ـ كل من كان معهم ـ علي الرغم من كون الأمر للملائكة خاصة ـ وقد كان معهم
إبليس وكان يعبد الله ـ سبحانه وتعالي ـ بعبادة الملائكة فشمله الأمر بالسجود لآدم
ولكنه أبي‏.‏
هذه الواقعة لم يشهدها أي من بني آدم‏,‏ ولم يسمع بها كفار ومشركو
قريش‏,‏ ولم ترد في أي من كتب الأولين‏,‏ ومن هنا فإن عرضها في خمسة مواضع مختلفة
من القرآن الكريم‏(‏ في كل من سورة البقرة‏,‏ الأعراف‏,‏ الإسراء‏,‏ الكهف‏,‏ وطه
يمثل وجها من أوجه الإعجاز الإنبائي الغيبي في كتاب الله‏,‏ يشهد لهذا الكتاب
المجيد بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه
علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه علي ذاته العلية في نفس لغة
وحيه‏(‏ اللغة العربية‏)‏ علي مدي يزيد علي أربعة عشر قرنا‏,‏ وتعهد بهذا الحفظ
تعهدا مطلقا حتى يبقي القرآن الكريم حجة الله علي خلقه إلي يوم الدين‏,‏ ويبقي
شاهدا بأنه كلام الله الخالق‏,‏ وشاهدا للرسول الخاتم بالنبوة وبالرسالة‏,‏ فالحمد
لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير
الأنام ـ صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي
يوم الدين‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://activinspire.ahlamontada.net
نبيلة محمود خليل
مديرة موقع رحماك ربى
مديرة موقع رحماك ربى
avatar

انثى عدد المساهمات : 1427
تاريخ التسجيل : 29/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: الإعـجاز التاريخـي مع نبيلة ونبيل الإعـجاز التاريخـي    الجمعة يناير 04, 2013 1:14 pm

﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ
لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا
مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ
وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ (‏ البقرة‏:30)


هذا النص القرآني الكريم جاء في مطلع العشر الثاني من سورة البقرة‏,‏
وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها مائتان وست وثمانون‏(286)‏ بعد البسملة‏,‏ وهي أطول سور
القرآن الكريم علي الإطلاق‏.‏
هذا‏,‏ وقد سبق
لنا استعراض سورة البقرة وسبب تسميتها‏,‏ وما جاء فيها من التشريعات الإسلامية‏,‏
وركائز العقيدة‏,‏ وفروض العبادة‏,‏ ومكارم الأخلاق‏,‏ والإشارات الكونية‏,‏ ونركز
هنا علي أوجه الإعجاز الإنبائي والعلمي في إخبار القرآن الكريم عن حوار وقع بين
الله ـ تعالي ـ وملائكته بخصوص خلق الإنسان واستخلافه في الأرض والذي لخصه النص
القرآني من سورة البقرة الذي اخترناه عنوانا لهذا المقال‏.‏



أولا‏:‏ من أوجه الإعجاز الإنبائي في النص الكريم‏:‏

هذا الحوار الذي جري بين رب العالمين وملائكته هو من أمور الغيب
المطلق الذي لا سبيل للإنسان في الوصول إلي شيء منه إلا بإنباء من الله ـ تعالي ـ
أو إبلاغ من رسوله ـ صلي الله عليه وسلم ـ لأن الإنسان لا يملك الوسيلة المناسبة
للوصول إليه إلا بهذا الإنباء الإلهي أو التبليغ النبوي‏.‏ ولولا أن الله ـ تعالي ـ
قد أخبرنا في محكم كتابه بهذا الموقف الذي جري بينه وبين ملائكته ما كان لأحد من
بني آدم وسيلة من الوسائل البشرية يمكن أن تعينه في الوصول إلي معرفة ذلك‏,‏ ومن
هنا كان هذا النص القرآني صورة من صور الإعجاز الإنبائي في كتاب الله‏.‏
وقد
اختلف المفسرون في فهم فحوي سؤال الملائكة‏,‏ وفي كيفية علمهم بأن الإنسان المستخلف
في الأرض يمكن أن يفسد فيها وأن يسفك الدماء؟
وغالب الرأي أن الملائكة قاست
الإنس بالجن لأن كليهما خلق عاقل حر مكلف‏,‏ صاحب إرادة‏,‏ وأن الجن كانوا قد سبقوا
الإنس في عمارة الأرض فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء في غالبيتهم‏,‏ وعلي ذلك فإن فحوي
سؤال الملائكة هو الاستعلام والاستفسار عن أن الله ـ تعالي ـ قد وهب الجن ـ وهم خلق
عاقل مكلف حرية الإرادة في الأرض فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وتظالموا فيما
بينهم‏,‏ فما هي الحكمة من تكرار الأمر مع خلق آخر عاقل مكلف ذي إرادة حرة‏,‏ وما
هو الهدف من استخلافه في الأرض؟ خاصة أن الملائكة خلق مفطورون علي طاعة الله
وعبادته‏,‏ يصفهم القرآن الكريم لرسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ بقول ربنا تبارك
وتعالي ـ له‏:
﴿
إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبَادَتِهِ

وَيُسَبِّحُونَهُ
وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾
‏(‏ الأعراف‏:206).‏
وكأن الملائكة كانوا يرون الاستخلاف في الأرض
لخلق مفطورين علي طاعة الله ـ تعالي ـ وعبادته من أمثالهم هم خشية أن يستخدم
الإنسان إرادته الحرة في الإفساد وإراقة الدماء في الأرض كما فعلت الجن من قبل‏,‏
ولذلك قالوا
﴿...أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ
وَنُقَدِّسُ لَكَ ...﴾
.‏
ومن المحتمل أن تكون الملائكة قد علمت ذلك من معني الاستخلاف
ذاته‏,‏ لأن المستخلف علي الشيء مؤتمن عليه‏,‏ وإذا كان هذا المؤتمن ذا إرادة حرة
فإما أن يؤدي الأمانة أو أن يخونها‏,‏ وهم مشفقون علي أهل الأرض من تضييع
الأمانة‏,‏ ومن عواقب ذلك‏.‏
ومن المحتمل أيضا أن يكون الملائكة قد سألوا الله ـ
تعالي ـ حين أمرهم بالسجود لآدم ـ عليه السلام ـ عن هذا الخلق المستخلف علي الأرض
فأخبرهم بأنه خلق عاقل‏,‏ مكلف‏,‏ مكرم‏,‏ ذو إرادة حرة‏,‏ وأنه يستخلف في الأرض
للابتلاء والاختبار حتي يثبت كل فرد منهم ـ بعمله ـ استحقاقه لرحمة الله وإدخاله
الجنة وخلوده فيها‏,‏ أو عقابه بالخلود في النار‏,‏ وربهم أعلم بكل فرد منهم‏,‏
ولكنه ـ من عدله المطلق ـ أراد أن يقيم الحجة علي كل فرد من بني آدم وأن يشهده علي
نفسه بعمله الذي يسجله الله ـ تعالي ـ له أو عليه‏,‏ استعدادا ليوم الحساب
والفصل‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ تبارك وتعالي‏:‏
﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ *
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ

وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ
المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ
السَّاجِدِينَ ﴾
(‏ الحجر‏:28‏ ـ‏31).‏
وقال ـ تعالي‏:‏
﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ
المَوْتَ

وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ
عَمَلاً

وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ ﴾
(الملك‏:2,1)‏.
وقال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ لأمته‏:‏ إن
الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون ومن هنا جاء الرد الإلهي
علي سؤال الملائكة‏:‏‏
﴿... قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾
(‏ البقرة‏:30).‏
ومن معاني هذا النص القرآني الكريم الذي اتخذناه
عنوانا لهذا المقال أن الله ـ تعالي‏,‏ بعلمه وإرادته وحكمته ـ استخلف آدم وذريته
للابتلاء والاختبار بأعمالهم في الأرض‏,‏ وهو ـ سبحانه ـ أعلم بكل منهم من علم أي
منهم بنفسه‏,‏ وأن أبانا آدم ـ عليه السلام استخلف ذريته علي التوحيد الكامل لله ـ
سبحانه وتعالي ـ وعلي الفهم الصحيح لرسالة الإنسان في الحياة الدنيا‏:‏ عبدا لله
الخالق البارئ المصور‏,‏ شاهدا لجلاله بالألوهية والربوبية‏,‏ والخالقية‏,‏
وبالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ وبالتنزيه الكامل عن جميع صفات خلقه وعن كل
وصف لا يليق بجلاله‏(‏ من مثل ادعاء الشريك أو الشبيه أو المنافس أو المنازع أو
الصاحبة والولد لله الخالق ـ جل جلاله‏).‏
وانطلاقا من هذه الشهادة لله ـ تعالي
ـ يجب علي كل مستخلف في الأرض الخضوع لله بالعبادة بما أمر‏,‏ وبالطاعة لكل ما أمر
به‏,‏ وباجتناب كل ما نهي عنه‏,‏ وذلك طيلة فترة استخلافه للعبد منا في الأرض‏(‏
وهي أجله‏),‏ وهي فترة محددة في علم الله‏,‏ وللإنسان بعدها الموت‏,‏ وحياة
البرزخ‏,‏ ثم البعث والحشر‏,‏ والحساب والجزاء وذلك بالخلود إما في الجنة وإما في
النار‏.‏
وهذا هو الإسلام الذي استخلف الله ـ تعالي ـ به أبانا آدم ـ عليه
السلام ـ وذريته في الأرض‏,‏ والذي استخلف آدم به ذريته‏,‏ وظل بنو آدم يستخلف
بعضهم بعضا إلي يومنا هذا‏,‏ وسوف يبقون كذلك إلي قيام الساعة‏,‏ فكل إنسان خليفة
لمن سبق من أسلاف‏,‏ ومستخلف لمن لحق به أو انحدر عنه من ذرية حتى تأتي نفخة الصور
التي يفني علي دثرها كل حي‏,‏ فينتهي هذا الوجود الدنيوي بالكامل‏,‏ وينتقل الخلق
إلي الحياة الآخرة بخلود لا موت فيه‏.‏
وفي رحلة الاستخلاف تلك ينجو من التزم
بشرع الله وأوامره‏,‏ ويهلك من انحرف عن الهداية الربانية‏,‏ وهذا هو الهدف من
عملية الاستخلاف في الأرض الذي خفي علي علم الملائكة فجاءهم الرد الإلهي
المباشر‏:‏
﴿... قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾
(‏ البقرة‏:30).‏
وقد فصل القرآن الكريم هذا الأمر في مقام آخر بقول
ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن
شَيْئاً مَّذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ
نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ
إِمَّا شَاكِراً

وَإِمَّا كَفُوراً ﴾
(‏ الإنسان‏:1‏ ـ‏3).‏
وقال ـ تعالي ـ‏:‏
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ
وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا
وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ
اللَّهُ المُنَافِقِينَ

وَالْمُنَافِقَاتِ
وَالْمُشْرِكِينَ
وَالْمُشْرِكَاتِ
وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾
‏(‏الأحزاب‏:73,72).‏
وقد أعطي ربنا ـ تبارك وتعالي ـ الإنسان عقلا
يفكر به‏,‏ ويميز الخير من الشر‏,‏ ويفصل الحق من الباطل‏,‏ كما أعطاه الإرادة
الحرة التي يختار بها ويدع‏,‏ ويفعل ويترك‏,‏ ووهبه كل المقومات اللازمة لحمل أمانة
التكليف‏,‏ ومن هنا وجب حسابه‏,‏ وتحددت أسباب استخلافه في الأرض من أجل الابتلاء
والاختبار‏.‏ فالإنسان مؤتمن علي ملك الله في الأرض‏,‏ ومسئول أمام الله ـ تعالي ـ
عن أمانته‏,‏ ومطالب بعبادة الله بما أمر وبذلك أصبحت عمارة الأرض وعبادة الله ـ
تعالي ـ بما أمر وجهين لعملة واحدة هي صك الاستخلاف في الأرض الذي وقعه أبونا آدم
وذريته في عالم الذر الذي قال عنه الله ـ تعالي ـ‏:‏
﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ
ذُرِّيَّتَهُمْ

وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى
شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾
‏(‏ الأعراف‏:172).‏
من هنا كان هذا الإخطار الإلهي إلي الملائكة‏,‏
وهذا الاستفسار الملائكي من الله ـ تعالي ـ عنه من الأمور الغيبية عن الإنسان غيبا
مطلقا‏,‏ ومن هنا كان إخبار القرآن الكريم عنها وجها من خصوصيات كتاب الله نصفه
بالإعجاز الإنبائي للقرآن الكريم‏,‏ وهو وجه من أوجه الإعجاز في هذا الكتاب الخالد
لا يدركه كثير من الناس لأن من أخبار القرآن الكريم ما يضم تحت مسمي الإعجاز
التاريخي ومنها ما يجمع تحت مسمي الإعجاز الإنبائي ومنه الإعجاز الإنبائي المستقبلي
الذي قد يدركه بعض الناس عند وقوعه‏,‏ ومنه الإعجاز الإنبائي الماضي الذي لا سبيل
للإنسان في الوصول إليه إلا ببيان من الله ـ تعالي ـ أو بلاغ من رسوله ـ صلي الله
عليه وسلم ـ‏.‏


ثانيا‏:‏ من أوجه الإعجاز العلمي في النص الكريم‏:‏
يشير هذا النص القرآني الكريم إلي حقيقة الغيب‏,‏ فالذات الإلهية غيب‏,‏
والملائكة غيب‏,‏ والحوار الذي دار بين الله ـ تعالي ـ وملائكته غيب‏,‏ وكل هذه
الغيوب المطلقة وغيرها كثير ستبقي محجوبة عن الإنسان طيلة فترة استخلافه في
الأرض‏,‏ ومن هنا كانت حاجة الإنسان إلي الهداية الربانية‏,‏ وإلي وحي السماء‏.‏
والغيب بالنسبة إلي الإنسان غيبان‏,‏ أحدهما غيب مرحلي قد يصل إليه الإنسان بأساليب
الكشف العلمي‏,‏ وثانيهما غيب مطلق لا سبيل للإنسان في الوصول إلي شيء منه إلا
ببيان من الله ـ تعالي ـ والتأكيد علي حقيقة الغيب أصبح من النتائج العلمية
المؤكدة‏,‏ وتكفي في ذلك الإشارة إلي ما توصل إليه علماء الفلك بكل التقنيات
المتطورة التي استخدموها من أن ما يدركونه من مادة وطاقة في الجزء المدرك من الكون
هو أقل من‏5%‏ مما تشير الحسابات في مجال الفيزياء الفلكية إلي وجوده‏,‏ وأن أغلب
مادة وطاقة الكون موجودة بهيئات لا تستطيع وسائل الإنسان إدراكها ولذلك أطلقوا
عليها أسماء من مثل المادة السوداء أو المادة الداكنة‏,‏ والطاقة الخفية أو غير
المدركة‏.‏ ويعترف علماء الفلك اليوم بحقيقة الغيوب التي لا يستطيع الإنسان الوصول
إليها في كون يلفه الظلام‏,‏ ويمتلئ بالغيوب‏,‏ ومن هنا امتدح ربنا ـ تبارك وتعالي
ـ الذين يؤمنون بالغيب‏,‏ وأكد حاجة الإنسان إلي بيان من الله الخالق عن هذه الغيوب
المطلقة من أمثال الذات الإلهية‏,‏ الملائكة‏,‏ الروح‏,‏ الجن‏,‏ حياة البرزخ‏,‏
البعث‏,‏ الحشر‏,‏ الحساب‏,‏ الميزان‏,‏ الصراط‏,‏ الجنة والنار‏,‏ وغيرها كثير‏,‏
وهذه القضايا لو لم يصل الإنسان فيها بيان من الله ـ يكون بيانا ربانيا خالصا لا
يداخله أدني قدر من التصورات البشرية فإما أن ينكر كل الغيب مع وجوده‏,‏ أو يبتدع
عنه تصورات من عنده فيضل في ذلك ضل إلا بعيدا كما ضل كل منكري الوحي السماوي عبر
التاريخ‏,‏ وكما سيبقي ملايين الضالين إلي قيام الساعة‏.‏
وهنا تتضح ومضة كل من
الإعجاز الإنبائي والعلمي في إيراد هذا الحوار بين رب العالمين وملائكته‏,‏ والذي
لو لم يخبرنا به الله ـ سبحانه وتعالي ـ في محكم كتابه‏,‏ ما كان أمام الإنسانية
كلها من سبيل إليه‏.‏ فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة
القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام ـ صلي الله عليه وسلم وبارك عليه وعلي
آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين ـ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين‏.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://activinspire.ahlamontada.net
نبيلة محمود خليل
مديرة موقع رحماك ربى
مديرة موقع رحماك ربى
avatar

انثى عدد المساهمات : 1427
تاريخ التسجيل : 29/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: الإعـجاز التاريخـي مع نبيلة ونبيل الإعـجاز التاريخـي    الجمعة يناير 04, 2013 1:14 pm

وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ
مِنَ المُوقِنِينَ ﴾‏(‏ الأنعام‏:75)




هذه الآية
القرآنية الكريمة جاءت في خواتيم النصف الأول من سورة الأنعام‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏
وآياتها مائة وخمس وستون‏165‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي الأنعام في أكثر من موضع‏,‏
ومن خصائصها أنها أنزلت كاملة دفعة واحدة‏,‏ وأنها خامس أطول سور القرآن الكريم‏.‏
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من العقائد والتشريعات الإسلامية‏.‏
هذا‏,‏
وقد سبق لنا استعراض سورة الأنعام‏,‏ وما جاء فيها من ركائز العقيدة‏,‏ والتشريع‏,‏
وما تخللها من قصص وإشارات كونية‏,‏ ونركز هنا علي وجهي الإعجاز العلمي والتاريخي
في الآية الكريمة التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال‏.‏

أولا‏:‏ من أوجه الإعجاز العلمي في الآية الكريمة‏:‏

توجه هذه
الآية الكريمة أنظار قارئيها إلي حقيقة أن الكون الذي نحيا في جزء ضئيل منه هو كون
شاسع الاتساع‏,‏ دقيق البناء‏,‏ منضبط الحركات‏,‏ محكم إحكاما مبهرا في كل جزئية من
جزئياته‏,‏ وفي كل أمر من أموره‏.‏ وكون هذه صفاته لا يمكن أن يكون قد أوجد ذاته
بنفسه‏,‏ ولا يمكن أن يكون نتاج العشوائية أو الصدفة‏,‏ بل لابد له من موحد عظيم له
من صفات الألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ ومن طلاقة
القدرة‏,‏ وشمول العلم‏,‏ وتمام الحكمة ما يتجلي في كل صغيرة وكبيرة من أجزاء هذا
الكون‏.‏
فكوننا مبني من نفس اللبنات وعلي نفس النظام‏:‏ من الذرة إلي المجموعة
الشمسية إلي المجرة‏,‏ وإلي الكون كله مما يشهد لخالقه بالوحدانية المطلقة بغير
شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏.‏
وكل شيء في هذا الكون مبني في زوجية واضحة من
اللبنات الأولية للمادة إلي الإنسان حتى يشهد لخالقه ـ تعالي ـ بالوحدانية المطلقة
فوق جميع خلقه بغير شريك‏,‏ ولا
شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة ولا ولد‏.‏
فهناك المادة وضدها
(‏(Matterand
Antimatter
‏ وهناك الطاقة الموجبة والسالبة علي مختلف أشكالها
(
(Positive
and negativeenergy

وهناك الذكر والأنثى في جميع المخلوقات من النبات والحيوان
والإنسان‏.‏
وهذه الزوجية السائدة في جميع المخلوقات تشهد لخالقها بالوحدانية
المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ كما تشهد لجلاله بالتنزيه الكامل عن جميع صفات خلقه‏,‏
لأنه ـ سبحانه وتعالي ـ هو خالق الكون كله فلابد وأن يكون فوق الكون بجميع
مكوناته‏,‏ وهو ـ تعالي ـ خالق كل من المكان والزمان فلا يحده أي منهما‏,‏ لأن
المخلوق لا يحد خالقه أبدا‏,‏ وهو ـ جل جلاله ـ فوق كل من المادة والطاقة لأنه هو
مبدعهما‏,‏ والمخلوق لا يشكل خالقه أبدا‏.‏
وعلماء الفلك المعاصرون يقررون بأن
كوننا الشاسع الاتساع‏,‏ الدقيق البناء‏,‏ المنضبط الحركات‏,‏ المحكم في الجزئيات
والكليات‏,‏ لابد له من مرجعية في خارجه‏
(AREFERENCEPOINT)
,‏ وهذه المرجعية العليا لابد وأن تكون مغايرة للكون بكل ما فيه ومن
فيه مغايرة كاملة‏,‏ فلا يحدها أي من أبعاد المكان أو الزمان‏,‏ ولا يشكلها أي من
صور المادة أو الطاقة‏,‏ وكأنهم ينطقون بالحق الذي أنزله ربنا ـ تبارك وتعالي ـ عن
ذاته العلية بقوله العزيز‏:
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾

(
الشوري‏:11).‏
من هنا فإن في قول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏
﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ
السَّمَوَاتِ

وَالأَرْضِ
وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ
‏(‏
الأنعام‏:75)‏
.


يتضح لنا وجه
من أوجه الإعجاز العلمي في كتاب الله يتلخص في ضرورة تعرف الإنسان علي الكون حتى
يري فيه جانبا من جوانب عظمة خالقه‏,‏ ووجها من أوجه القدرة الإلهية المبدعة في
الخلق‏,‏ ويري فيه ضآلة وجود الإنسان أمام هذا الكون المتناهي في اتساعه‏,‏ الدائب
في حركته‏,‏ والمنطلق في جريه إلي نهاية لا يعلمها إلا مبدع الكون وخالق
الكائنات‏.‏
كذلك يري الإنسان في الكون حاجة كل الكائنات‏,‏ وحاجة الكون كله إلي
رعاية خالقه في كل لحظة من لحظات وجوده‏,‏ وفي كل آن من آناء عمره‏.‏
ويري
الإنسان في استقرار قوانين الكون‏,‏ وسيلة من وسائل تعرفه عليها‏,‏ وهي من سنن الله
الحاكمة لكل كائن‏,‏ ومن ثم الانطلاق بتوظيف تلك السنن في القيام بواجبات الاستخلاف
في الأرض بعمارتها‏,‏ وإقامة شرع الله فيها‏,‏ ولذلك نجد القرآن الكريم في عشرات من
آياته يحض الناس حضا علي إمعان النظر في الكون‏,‏ ودراسته‏,‏ والتفكير في بديع صنعه
بأسلوب علمي منهجي سليم‏,‏ والتأكيد علي أن ذلك من أيسر وسائل تعرف الإنسان علي
خالقه‏,‏ وإدراك جانب من جوانب طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في كل أمر من أمور
الكون والكائنات فيه‏,‏ فيسجد الإنسان للخالق البارئ المصور سجود العارف بربه‏,‏
ويؤمن به إيمان من يراه في بديع صنعه في خلقه‏,‏ وهذا الإيمان الفطري الذي مر به
نبي الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ من خلال تأمله في الكون من قبل أن يأتيه وحي
السماء هو رسالة هذه الآية القرآنية الكريمة لكل قارئ أو سامع لها‏,‏ وذلك لأن
الإنسان في الإسلام مخلوق مكرم‏,‏ خلقه الله ـ تعالي ـ بقدرته‏,‏ ونفخ فيه من
روحه‏,‏ وعلمه من علمه‏,‏ وفضله علي كثير من خلقه‏,‏ لأن الإنسان هو المخلوق
المتميز بالعقل‏,‏ وبالقدرة علي التفكير والبيان‏,‏ وعلي اكتساب المعارف والمهارات
وتعل
يمها لغيره‏,‏ ومن ثم فهو المخلوق العاقل‏,‏ المكلف‏,‏ المسئول عن جميع
تصرفاته‏,‏ ومن قبيل الشكر علي هذه النعم استخدامها في التعرف علي خالقه من خلال
تأمل بديع صنع هذا الخالق العظيم في خلقه‏.‏
ويؤكد القرآن الكريم ضرورة التعرف
علي الكون من أجل التعرف علي حتمية وجود خالق عظيم‏,‏ عليم‏,‏ حكيم له من صفات
الكمال‏,‏ والجمال‏,‏ والجلال‏,‏ ما أضفي من بديع خلقه ومن هنا كان الدرس الذي يجب
أن يستقي من تعرف نبي الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ علي ربه من خلال تأمله في
الكون‏,‏ من قبل أن يأتيه الوحي‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ تبارك وتعالي ـ وكذلك نري
إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين‏,‏ فلما جن عليه الليل رأي كوكبا
قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين‏,‏ فلما رأي القمر بازغا قال هذا ربي فلما
أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين‏,‏ فلما رأي الشمس بازغة قال هذا
ربي هذا أكبر فلما أفلت قال ياقوم إني بريء مما تشركون‏,‏ إني وجهت وجهي للذي فطر
السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين‏,‏ وحاجه قومه قال اتحاجوني في الله وقد
هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا
تتذكرون‏,‏ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله مالم ينزل به عليكم
سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون‏,‏ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم
بظلم‏..‏ وهذا هو الدرس المستفاد من أحد المواقف
المهمة في سيرة نبي الله
إبراهيم ـ عليه السلام ـ والذي لم يرد له ذكر في كتب الأولين علي
أهميته‏.‏



ثانيا‏:‏ من أوجه الإعجاز التاريخي في الآية الكريمة‏:‏

عاش نبي
الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ في حدود الألفية الثانية قبل الميلاد‏1861‏ ـ‏1686‏
ق‏.‏م وبعث خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ في حدود سنة‏610‏ م‏,‏
أي أن بين هذين النبيين الصالحين أكثر من ألفي عام‏,‏ وعلي الرغم من ذلك فقد سجل
القرآن الكريم أكثر من عشرين موقفا بارزا في حياة نبي الله إبراهيم ـ عليه
السلام‏,‏ ولم يكن العرب في زمن الجاهلية أهل علم وتوثيق وتدوين‏,‏ علي الرغم من
وجود آثار عديدة لنبي الله إبراهيم وابنه النبي إسماعيل ـ عليهما السلام ـ في الحرم
المكي‏,‏ ومن هنا فإن إيراد القرآن الكريم للعديد من الأحداث والمواقف الكبرى في
حياة نبي الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ ومنها تأمله في ملكوت السماوات والأرض‏,‏
وحواره مع كل من أبيه وقومه‏,‏ وتحطيمه للأصنام‏,‏ ومحاولة حرقه في النار ونجاته
منها بإذن الله‏,‏ ومحاورته للنمرود‏,‏ والأمر بذبح ابنه إسماعيل وفداء الله ـ
تعالي ـ له بذبح سمين‏,‏ مما يعتبر جانبا من جوانب الإعجاز التاريخي في القرآن
الكريم يشهد لهذا الكتاب العزيز بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام
الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه علي
ذات علية‏,‏ في نفس لغة وحيه اللغة العربية‏,‏ وتعهد بهذا الحفظ تعهدا مطلقا حتى
يبقي القرآن الكريم شاهدا علي الخلق أجمعين إلي يوم الدين‏,‏ وحجة الله البالغة علي
جميع خلقه‏,‏ التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها‏.‏

فالحمد
لله علي نعمة الإسلام والحمد الله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير
الأنام‏..‏ صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي
يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://activinspire.ahlamontada.net
 
الإعـجاز التاريخـي مع نبيلة ونبيل الإعـجاز التاريخـي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 2انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ActivInspire :: المنتدى الاسلامى :: الاعجاز العلمي في القرآن والسنة النبوية الشريفة-
انتقل الى: